|
||||||||||||||||||||||||
|
|
|
||||||||||||||||||||||
القرصنة البحرية.. خلفية تاريخية تُعرّف القرصنة عادةً بأنها الجرائم أو الأْعمال العدائية، والسلب أو العنف المرتكبان في البحر ضد سفينة ما، أو طاقمها، أو حمولتها. ويُعرّف القرصان بأنه المغامر الذي يجوب البحار لنهب السفن التجارية. القرصنة في البحر المتوسط على الرغم من المصادر المتفرقة والمتناثرة، فما من شكّ في أن القرصنة طوال العصور القديمة، برزت بشكل مستمر في البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت هناك بعض المدن المزدهرة مثل صور وقرطاجنة وكورنته (في اليونان) وأثينا، والتي كانت ذات أساطيل وتجارة بحرية غنية، وكان لابدّ من القضاء على تلك الجماعات الخارجة على القانون من قراصنة وعصابات وأعداء. ومن أجل ذلك، وللصراع ضد القرصنة جهزت المدن الإغريقية أول الأساطيل الحربية، غير أن النتائج ظلّت دون المستوى المطلوب، لكن الامبراطورية الرومانية تمكّنت وهي في أوج قوتها من القضاء مؤقتاً على تلك الظاهرة. ظهرت القرصنة في البحر الأبيض المتوسط في الألف الثالث قبل الميلاد، وفي أثناء نمو التجارة البحرية المكثفة بين مصر وجزيرة كريت وفينقيا. وكانت القرصنة بشكل مجموعات من البحارة تعيش على سواحل صقلية، وتهاجم السفن المنفردة والموانئ ذات الدفاعات الضعيفة. وكان سكان جزيرة كريت هم أول من فكّر بالتصدي لهؤلاء، فجهّزوا أسطولاً سار إلى أقصى نقطة من شرقي الجزيرة (جزيرة صقلية)، ومهمته طرد القراصنة، وتمكنوا من إحراز نجاح نسبي، ثم جاء بعد ذلك دور مصر الفوعونية، ولأول مرة في التاريخ، تجهز أسطولاً حربياً صغيراً للصراع ضد القراصنة الذين ينهبون سفن البحر الأبيض المتوسط ومدنه. وهكذا نجد في العام (1222) قبل الميلاد أن المصريين تمكنوا من التصدي لهجوم قرصني على دلتا نهر النيل قبل أن يخوضوا في العام (1190) قبل الميلاد أول معركة بحرية سجّلها التاريخ على سواحل سورية الحالية، وفي أثناء القتال استخدم بحّارة الفرعون رمسيس الثالث من رماة السهام سلاحاً جديداً وهو السهام أو النبال وبفضل هذا السلاح تمكن المصريون من هزيمة القراصنة، غير أن هذا النصر المصري لم يضع نهاية للغارات التي بدأت تأخذ شيئاً فشيئاً شكل الغزوات. وكان القراصنة يهاجمون الأراضي في العمق فينهبون المواشي والجواهر والمحاصيل، ثم يأسرون الرجال والنساء والأطفال ويبيعونهم كالعبيد، وكانت القرصنة تتطلب شروطاً أساسية لقيامها، منها: توافر الغابات لصنع السفن، ووجود ورشات لصناعة تلك السفن، ووجود أيدٍ ماهرة لصناعة السفن المتينة القوية التسليح، ووجود أسواق لتصريف البضائع المستولى عليها. بعد بضعة قرون جاءت إلياذة هوميروس، لتكون بدورها صدى للنشاط المستمر في ازدهار شواطئ بلاد الإغريق الممتدة على مسافات شاسعة، إذ نستشف من قراءة الإلياذة أن ثروة ملك إسبارطة "مينيلاس" الزوج التعيس للجميلة "هيلين" تكوّنت في أساسها من السلب والنهب، كما أن الأوديسة تكشف أن "أوليس" الذي كان يملك الأراضي الشاسعة، وملك إيتاكا الشهير كان أيضاً قرصاناً في زمانه؛ وهكذا نجد أنه عندما غادر طروادة بعد عشر سنوات من الحصار، لم يعد رأساً إلى إيتاكا، على الرغم من اشتياقه إلى زوجته وابنه تليماك، ذلك أنه قرر مع رجاله أن ينهب إحدى مدن تراقيا، ثم يشن غزوة على الشواطئ المصرية. وبدءاً من القرن الثامن قبل الميلاد انطلق الفينقيون والإغريق بدورهم لإنشاء تجارة بحرية نشطة، وأنشأوا لذلك مستعمرات في جميع أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط، والتنافس بينهما دفع شعبيهما إلى اللجوء إلى ممارسة القرصنة. وابتداءً من القرن الخامس قبل الميلاد، فرضت أثينا سيطرتها على العالم الإغريقي، وتسلمت مهمة مكافحة القرصنة. وبفضل جهود أثينا التي خصصت باستمرار أسطولاً مؤلفاً من (60) سفينة اختفت القرصنة، لكنها عادت في القرن الرابع قبل الميلاد عندما تفككت امبراطورية أثينا لتعيث فساداً في المنطقة من جديد. في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، شجعت النزاعات الثلاثة الرئيسة الناشبة بين الرومان والقرطاجيين، على تنشيط أعمال القرصنة، وبين العامين (264) و (146) ق.م، استعانت القوات المتحاربة على نطاق واسع بالقراصنة، ولا سيما الرومان. في القرن الأول قبل الميلاد، وعندما دخلت روما في صراع لا ينتهي ضد ملك بونت للسيطرة على آسيا الصغرى، وجد الملك "ميتريدات" نفسه مضطراً للتحالف مع قراصنة صقلية، الذين كانوا يمتلكون أسطولاً يزيد تعداده على ألف سفينة خفيفة وسريعة ومعدّة للهجوم والفرار. وبفضل هذا الدعم تمكّن ميتريدات من التغلغل في الأراضي الإغريقية، واستولى على أثينا وعديد من الجزر في بحر إيجه، ولما أصبح ميتريدات هذا الجنرال الروماني دكتاتور روما عام (82) قبل الميلاد، قرّر تطهير سواحل صقلية من القراصنة التي تقيم فيها، وبعد تركه السلطة استمرت الهجمات المضادة للقرصنة وسجّلت فاعلية نسبية، والحملة التي قادها "بيبليوس سرفيليوس فاتيكا" بين العامين (78) و (74) قبل الميلاد لاقت نجاحاً جزئياً، ولا سيما أن القراصنة الذين طردوا من كيليكيا لجؤوا إلى كريت وصقلية وكالابر والبحر الأدرياتيكي. وفي العام (72) قبل الميلاد، عندما نزل "ماركوس أنطونيوس" بقواته في جزيرة كريت، كان الأسطول الروماني الذي تحت إمرته يغرق في قاع البحر من قِبَل القراصنة، والأسوأ من ذلك أن القراصنة كانوا يهاجمون السفن القادمة إلى روما المحمّلة بالقمح والقادمة من صقلية ومصر، وأصبحوا يشكّلون خطراً على الجمهورية الرومانية التي كانت تعاني أزمة خطيرة. لم تتأخّر ردّة الفِعل الرومانية، ففي بداية العام (67) قبل الميلاد، قرّرت روما تعيين دكتاتور للبحار، ووضعت تحت تصرفه وسائط وسلطات استثنائية بهدف القضاء على القرصنة في حوض البحر الأبيض المتوسط كله، وسارت الاستعدادات سيراً حسناً، وكان مركز قيادة الأسطول في مدينة بومبي. وخلال بضعة أشهر تمّ بناء نحو (500) سفينة، وحشد نحو (000،125) رجل، وبهذا يمكن للعملية أن تبدأ في نهاية الربيع وفي زمن قصير، وبفضل جهود لم يسبق لها مثيل، وتنظيم دقيق محكم (وحدة القيادة وفرض حصار على مضيق جبل طارق ... إلخ)، تمكّن دكتاتور البحر من القضاء على قواعد القراصنة واحدة بعد الأخرى في السواد الأعطم من البحر الأبيض المتوسط. وفي الخريف، كانت حملة بومبي قد تُوّجت بنصر مؤزّر، فقد تم أسر أكثر من (360) سفينة للقراصنة وتدمير زهاء (1000) سفينة أخرى أثناء القتال، وقتل (000،10) قرصان، بينما أُسر نحو (000،20) منهم، وبذلك أصابت بومبي عصفورين بحجر واحد، فهي لم تسيطر على البحر الأبيض المتوسط فحسب، بل قضت أيضاً على أعمال القرصنة فيه، وعاش البحر في سلام من القرصنة حتى سقوط الامبراطورية الرومانية في نهاية القرن الخامس بعد الميلاد، حيث عادت القرصنة إلى الظهور فيه. |
||||||||||||||||||||||||
© Copyright 2008 by Al Qarn for more information pleas .. Contact : Tel (+253) 35 51 93. Fax (+253) 35 33 10. |
||||||||||||||||||||||||