كلنا دكاترة أذكر وأنا في الابتدائية، إذا قيل لي هذا الرجل جامعي، كنت أقف أنظر إليه حتى يغيب عن أنظاري، كنت أحسبه إنسانًا من نوع آخر. بل أذكر أحد الليالي وأنا في الصف الخامس الابتدائي تقريبًا، إذ زارنا في الفصل أحد الطلبة في المرحلة الجامعية حينها، كان في زيارة للبلد في إجازته الصيفية.

 دخل علينا في الفصل، وبدأ يختبرنا في النحو، بحضور أستاذ المادة، فكتب بعض الأسئلة على السبورة، فغمزني زميلي في الدراسة، الجالس على يميني، وقال لي بصوت خافت: أليس هو جامعي؟

قالها مستغربًا برداءة خطه. قلت له: نعم، وشاركته في الاستغراب. 

ثم تخرجنا ودخلنا المرحلة الإعدادية، ومما أذكره في تلك المرحلة، أن أحد الأساتذة، وأعتقد أنه كان أستاذ الفقه، اعتذر في إحدى المحاضرات عن تفسير آية قرآنية، بحجة أنه لم يقرأ تفسيرها.

أذكر حينها أنني استغربت فيه كثيرًا، كيف لم يقرأ التفسير وهو خريج جامعي؟

 كنت أحسب أن كل خريج، وخاصة من الشريعة، قد أحاط العلم الشرعي بأقسامه وأنواعه. ومما يضحكني الآن أحيانًا، والحق يقال، أنني أستاذ بنفس المؤسسة، وأنا دكتور، ولا أعرف من التفسير ما كنت أتنماه.

نعم، تخصصي يختلف، وأحترم التخصصات، لكني كمسلم لست ممن يرى أن الهروب إلى التخصص، وخاصة فيما يخص الدين، يكون حجة لأي أحد، لأني أؤمن أن الأولى لكل مسلم أن يتعلم دينه أولاً.

عودة للموضوع، معظمنا الآن دكاترة، أو في طريقه إليها، لكننا دكاترة في الشهادات، ولسنا دكاترة في العلم. 

ماذا يعني دكتور لا تراه في حياته ولا مرة، وهو يقرأ أو بيده كتاب؟ ماذا يعني دكتور عندما تناقش معه في موضوع ما، تحسبه من سطحيته، كأنه يعيش في المريخ، فضلاً عن أن يفرق بين الحق والباطل أو بين الصح والخطأ.

 في إحدى المرات وأنا جالس في المسجد، جاءني أحد المتعلمين، وطلب مني أن أساعده بكتابة إعلان ما باللغة العربية.

الإعلان كان عبارة عن سطرين أو أقل. بعدها بشهور قليلة، وجدت الرجل نفسه في الفيس وقد ناقش الدكتوراه في إحدى الجامعات العربية.

 أي دكتور هذا وأي علم هذا؟ أين نحن في هذه الحالة من مصطفى صادق الرافعي، ووليم شكسبير، وعباس محمود العقاد، وإليا أبو ماضي... وغيرهم، من الذين لم يتخرجوا من المدارس، ولم يعرفوا الشهادات، لا العليا ولا الدنيا، إلا أنهم كانوا دكاترة في العلم، ولم يكونوا دكاترة في الشهادات، مع أنهم عاصرونا وعاشوا عصر الجامعات.

ليس من الصعب أن يحصل المرء على شهادة عالية، لكن الصعب هو أن يحصل العلم.

 فلو أراد أحدنا شهادة ما، ما عليه إلا أن يجد بعضًا من المال، ثم يتردد في إحدى الجامعات، أيام الإجازة، سنتين أو ثلاث، وهو في بلده، وبعدها بقليل سيجد الجميع يهنئونه على نيل الدرجة التي أرادها.

كان للشهادة الجامعية وحدها قيمة في بلدنا في التسعينات، فضلاً عن غيرها، والآن صارت شهادة الدكتوراه لا تساوي شيئًا، لأنها أصبحت سهلة المنال، فليس بينك وبينها إلا أن تكتب صفحات معدودة، وقد تكون منقولة، أو يكتبها لك الآخرون كما يفعل البعض، ثم تقدمها لأي جامعة، وإذا أنت تحمل لقب الدكتوراه.

لا الفرد عاد يهتم بالمستوى التعليمي والمعرفي كما كان، ولا الجامعات تهتم كما عرف بها، يكفي الفرد شهادة ويكفيها الحصول على مال، وكأن الجميع يعمل لدفع الأمة إلى الضعف والتخلف، بل هذه هي الحقيقة.

 

د. عثمان فريد، أستاذ بالجامعة