حين يصبح الصوت العالي بديلاً عن الحجة في زمنٍ اختلط فيه الصراخ بالحق، لم يعد صوت العقل كافيًا.

 الحق اليوم يحتاج مكبر صوت، والمعلومة الدقيقة تحتاج صوتًا أعلى من الضجيج، أما الجاهز للصياح… فهو الفائز، مهما كان محتواه.

نحن لا نناقش بعد الآن، نصيح ونصرخ، ونكرر الكلمات بصوت مرتفع، حتى يختلط الحق بالهلوسة، والضجيج بالحقيقة.

 في الاجتماعات، وفي المنصات الرقمية، حتى في الحياة اليومية، صوتك الأعلى يُغطي كل الحجج، وصوتك الأكثر ضجيجًا يُعطيك صفة «المتقن» أو «المُحق».

القيمة لا تُقاس بالمنطق، بل بال decibel.

الأسلوب لا يُقاس باللباقة، بل بالحدة. الجدل؟ مجرد عرض صوتي، والمنطق؟ ترف قديم، لا يصلح إلا للكتب.

 الأغرب أن الجميع يعرف هذا السر: الصياح لا يصنع الحق، لكن الجميع يصر على اتباعه.

 حتى المتعلم يصمت، والمتفهم يتحاشى الكلام، ويترك الساحة للمزعج الأكثر إزعاجًا. النتيجة؟

 كثرة الصوت، وقلة الفهم. الآراء تصرخ، والحق يختفي. والأذكى؟ ربما من يغلق الميكروفون أو يغادر النقاش قبل أن ينفجر رأسه.

 باختصار، حين يصبح الصوت العالي بديلاً عن الحجة، تصبح الصرخة مقياس الحقيقة، والعقل… مجرد ضيفٍ خجول في حفلة الصياح.

 إلى الأسبوع القادم… إذا لم يظهر ترندٌ عاجلٌ ينسف كلَّ ما سبق.

 

 بقلم الأغبري