في تحول دراماتيكي يعكس تغيرات جذرية في موازين القوة العالمية وآليات فرض الهيمنة السياسية، شهد العالم خلال العقود الماضية سلسلة من الأحداث البارزة التي أنهت حكم رؤساء دول عبر التدخل العسكري المباشر أو المسارات القضائية الدولية.
و في 3 يناير 2026، يُضاف فصل جديد حاسم إلى هذا التسلسل التاريخي مع تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا، أسفرت عن اقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من كاراكاس، ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات اتحادية بتهريب المخدرات وامتلاك أسلحة محظورة.
هذا التطور ليس مجرد حدث عابر، بل يمثل عودة صريحة إلى منطق القوة العسكرية المباشرة، مستذكراً سابقة تاريخية دقيقة: ففي عام 1989، نفذت الولايات المتحدة عملية «السبب العادل» في بنما، انتهت باعتقال الرئيس مانويل نورييغا ونقله إلى أمريكا لمحاكمته على تهم تتعلق بالمخدرات، وظل محتجزاً حتى وفاته عملياً في 2017 بعد إطلاق سراحه الجزئي.
وكانت تلك العملية سابقة جسدت التدخل العسكري لفرض «العدالة» الأمريكية خارج الحدود.
ثم جاء انتقال مؤقت نحو «العدالة الدولية» في أوائل الألفية الجديدة: في عام 2001، أُلقي القبض على الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش داخل بلاده، قبل تسليمه عام 2002 إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث توفي في السجن عام 2006 أثناء محاكمته على جرائم حرب.
كان ذلك يعكس محاولة لإضفاء شرعية متعددة الأطراف على المحاسبة.
لكن العودة إلى الخيار العسكري الأحادي برزت بقوة في 2003، مع غزو العراق واعتقال الرئيس صدام حسين من قبل القوات الأمريكية، تلته إعدامه شنقاً عام 2006 بعد محاكمة محلية حملت أبعاداً سياسية ورمزية هائلة، رغم الجدل حول شرعيتها.
والآن، في عملية «التصميم المطلق» التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب، تتكرر سابقة نورييغا بدقة مذهلة: تدخل عسكري مباشر لاعتقال رئيس دولة متهم بجرائم مخدرات، دون موافقة دولية أو اعتراف بحكومة بديلة، مع نقل المعتقلين إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم في نيويورك.
الاتهامات الجديدة، المبنية على لائحة اتهام اتحادية منذ 2020 ومُحدثة مؤخراً، تشمل مادورو وزوجته بالتآمر لاستيراد الكوكايين والإرهاب المخدري وامتلاك أسلحة آلية، في سياق وصف إدارة ترامب لنظامه بأنه «كارتيل الشمس» الإجرامي.
هذا الحدث يطرح أسئلة جوهرية ومقلقة حول مستقبل النظام الدولي: هل انتهى عصر الاعتماد على المحاكم الدولية والآليات المتعددة الأطراف، ليعود العالم إلى منطق القوة الخام الذي يفرضه الأقوى؟
الولايات المتحدة، بقوتها العسكرية الساحقة، تؤكد سيادتها على «الفناء الخلفي» الأمريكي اللاتيني، مستندة إلى سابقة نورييغا التي أيدتها المحاكم الأمريكية رغم انتهاكها السيادة البانامية.
لكن في عصر متعدد الأقطاب، مع صعود الصين وروسيا وتعزيز التحالفات الجنوبية، قد يؤدي هذا التدخل إلى ردود فعل دولية حادة، ويسرع من تآكل مبدأ السيادة الذي يحمي الدول الضعيفة.
في النهاية، اقتياد مادورو ليس مجرد نهاية لحقبة فنزويلية مضطربة، بل إشارة قوية إلى أن «المحاسبة القسرية» الأمريكية قد أصبحت أداة رئيسية في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية، مهما كلف ذلك من جدل حول الشرعية والأخلاق الدولية.
النظام العالمي يتغير، والقوة العسكرية تعود لتكون اللغة الأساسية في فرض
الإرادة بقلم /شاكر عيليه جيله