لم تعد أزمة فنزويلا مسألة بعيدة عن الحسابات العربية، ولا مجرد شأن داخلي لدولة في أميركا اللاتينية.

فما يجري في هذا البلد النفطي يعكس تحولات أعمق في النظام الدولي، تمسّ بشكل مباشر دولاً عربية تعتمد على الطاقة، وتتعامل يومياً مع منظومة مالية وقانونية باتت أكثر تسييساً وأقل قابلية للتنبؤ. لا خلاف على أن فنزويلا تعاني انهياراً اقتصادياً حاداً، وهجرة جماعية غير مسبوقة.

 غير أن تحويل هذه الأزمة إلى ساحة اختبار لعقوبات أحادية، مفروضة خارج إطار الشرعية الدولية، يثير أسئلة لا تخص كاراكاس وحدها، بل تمتد آثارها إلى دول أخرى، من بينها دول عربية.

 فمنذ سبعينات القرن الماضي، شكّل تسعير النفط بالدولار إحدى ركائز النظام الاقتصادي العالمي، وهو نظام استفادت منه دول عربية نفطية كما استفادت منه الولايات المتحدة.

غير أن هذا الترتيب لم يكن يوماً محايداً بالكامل، إذ منح واشنطن نفوذاً مالياً وقانونياً واسعاً، تُظهر التجربة الفنزويلية اليوم كيف يمكن توظيفه كأداة ضغط سياسي.

محاولات فنزويلا تسويق جزء من نفطها بعملات غير الدولار، وتقاربها مع مجموعة «بريكس»، لا تشكّل تهديداً فورياً لمكانة الدولار، لكنها تطرح سابقة سياسية تهم دولاً عربية، خاصة تلك التي تسعى إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، أو إلى تعزيز استقلال قرارها المالي في عالم مضطرب.

الأخطر من البعد النقدي هو المسار القانوني الذي تتخذه العقوبات الأميركية.

 ففرض إجراءات اقتصادية واسعة من دون تفويض من مجلس الأمن، وتجميد أصول سيادية، والضغط على شركات ودول ثالثة، كلها ممارسات تمس جوهر القانون الدولي. وهي ممارسات لا يمكن للعالم العربي تجاهلها، في ظل تجارب سابقة وحديثة مع العقوبات والتدخلات الخارجية.

وقد حذّر خبراء أمميون من أن هذه السياسات قد تنتهك مبادئ أساسية، مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق الشعوب في التصرف بثرواتها الطبيعية.

ومع ذلك، يجري تطبيعها بوصفها أدوات مشروعة، ما يفتح الباب أمام تعميمها على أزمات أخرى، بما فيها أزمات في الشرق الأوسط.

 تؤكد واشنطن أن تحركاتها تستند إلى الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 غير أن الانتقائية في تطبيق هذه المعايير، مقارنة بعلاقاتها مع دول أخرى ذات أهمية استراتيجية، تضعف صدقية هذا الخطاب.

 وهذا التناقض تدركه العواصم العربية جيداً، في ظل تجارب طويلة مع ازدواجية المعايير الدولية.

إن الدرس العربي من الحالة الفنزويلية لا يكمن في الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بل في إدراك أن تسييس النظام المالي والقانوني الدولي يحمل مخاطر استراتيجية.

 فالدول التي تعتمد على تصدير الطاقة، أو على احتياطيات سيادية في الخارج، أو على شبكات مالية دولية، تجد نفسها أكثر عرضة للضغط حين تغيب الضمانات القانونية الجامعة.

 في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، تبدو الحاجة ملحّة أمام الدول العربية إلى تنويع الشراكات، وتعزيز أدواتها القانونية، والدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد لا على موازين القوة. أما القبول بتطبيع العقوبات الأحادية والإكراه المالي، فقد يوفر مكاسب ظرفية، لكنه يهدد على المدى البعيد استقرار النظام الدولي الذي تعتمد عليه الاقتصادات العربية. قضية فنزويلا، في جوهرها، ليست بعيدة عن العالم العربي.

إنها مرآة لتحولات تمسّ الجميع، وسؤال مفتوح حول مستقبل الشرعية الدولية، وحول ما إذا كان القانون سيبقى إطاراً جامعاً، أم مجرد أداة بيد الأقوى.

 

بقلم: نجيب علي طاهر