جلست لوحدها بعيدا في الشاطئ، منفردة بهمومها وأحزانها، بين الحين والآخر، تحاول بيدها تهذيب خصلات شعرها الكستنائي المبعثر بفعل الرياح، يكسو المكان سكون رهيب، تقطعه زمجرة الأمواج المتلاطمة على الصخور، ونقنقة طيور النورس التي تحط رحالها على الشاطئ في مثل هذا الموسم من كل عام
.. يجلس أحمد على بعد فرسخ منها متخفيا بين الصخور، يراقبها بنظراته، يتابع حركاتها كمن يخاف على ضياع جوهرة ثمينة
.. يخفق قلب احمد بشدة كلما تذكر ما دار بينهما،ظنه سوء تفاهم تحول فجأة إلى شجار ومقاطعة،حينما طلبت منه زينب أن يتسرع في طلب يدها، وهي تدرك أنه لا يستطيع التقدم لطلب يدها في الوقت الراهن، ساءه أنها لا تهتم لظروفه، رغم علمها أنه عاطل عن العمل، ولا يملك من المال ما يسد احتياجاته اليومية من طعام وشراب، أحيانا تمر عليه أوقات لا يأكل إلا وجبة واحدة في اليوم لشدة الفقر، أحمد يعتمد كليا على نفقات أبيه الذي دأب على إذلاله منذ الصغر
.. يقصد أباه كلما اشتد عليه الضيق، يحبس أنفاسه مع كل خطوة يخطوها إلى بيته، كلما اقترب توتر أكثر، يشعر بألم مفاجئ في معدته، دقات قلب متزايدة، وعرق بارد، يتفصد على جبهته، يقف أمام الباب كأن رجلاه تسمرت على الأرض ولا تطاوعاه، في الدقيقة الأخيرة يريد أن يتراجع لكن شدة الجوع تمنحه القوة للمجازفة، ينظر من ثقب الباب الخارجي إلى باب غرفة والده الموازية عبر ممر ضيق، كلما كان الباب مفتوحا ارتاح أكثر، يتشجع للدخول مدركا أن أباه في جلسة القات قرب باب الغرفة، غالبا ما يكون في هذه الحالة هادئ الطبع، في مزاج جيد، ومن محاسن هذه الشجرة المباركة، أنها تهذب طباع أعتى المجرمين في لحظات التجلي في حضرتها، وتحولهم إلى كائنات لطيفة وادعة، وما أن يلمحه أبوه يدوس يده في جيبه ويخرج بضع فرنكات، يرمي نحوه بإهانة واستحقار، قبل أن يقترب منه أو يسلم عليه دون أن ينبس بكلمة، يلتقط أحمد الفرنكات من الأرض، بشيء من الرضا، مضمرا في نفسه السخط والغيظ، حاقدا على نفسه أكثر، لأنه عودها الإهانة، في سبيل هذه الفرنكات التي لولاها لمات جوعا .
. حدث ذات مرة أنه دلف من الباب الكبير إلى فناء الدار، يقرع بخفة باب غرفة أبيه الشبه المغلقة، حتى تفاجأ بسيل من الشتائم، لولا انه أخفض رأسه المطل إلى داخل الغرفة، في الوقت المناسب، لارتطمت الصينية التي رماها بجبهته، من حظه لم تصبه الصينية بكثير أذى، سوى جرح بسيط بجانب حاجبه الأيمن بسبب الشظية، بعدما تكسرت الصينية بقوة على الحائط، عاش احمد منذ صغره حياة مضطربة، وقاسية تخلوا من الحنان، لم ينعم بالطفولة التي يستحقها كأي طفل، سوى الإرهاب، والعنف، والصراخ لأتفه الأسباب، من أب نرجسي، متقلب المزاج .
ترك هذا السلوك غير السوي من الأب،ترسبات خطيرة في نفسية الطفل، الذي لم يذهب يوما إلى المدرسة،وانخرط مبكرا بقرناء السوء، نشأ يلعب ويمرح في الشوارع، بدون رقابة، يتسكع ماشاء له إن يتسكع، حتى أنه في بعض الليالي، يبيت خارج الدار، داخل أكواخ صغيرة، متراصة، مبنية من الخشب على شكل كراسي، لبيع القات، دون أن يتجشم أحد عناء البحث عنه، في أحد الليالي رآه أحد معارف أبيه في زاوية مظلمة، داخل محل متهالك، لبيع الشاي، مبني من الأخشاب، بينما هو يسند رأسه وكتفه على الحائط في وضعية الجلوس، يغط في نوم عميق، آلم الرجل منظر الطفل على هذا الحال، ذهب يقصد بيت ابيه، يعنفه على إهمال الطفل دون رعاية وتركه في الشارع .
نشأ أحمد متشردا في بيئة أقل ما توصف أنها موبوءة، غير مستقرة، حرا طليقا، ساءت أخلاقه لدرجة الانحطاط، تعاطى المخدرات في سن مبكر، مارس السرقة، والعنف والتعدي على حرمات الآخرين، حتى قوي عوده، تحولت حياته لجملة من التناقضات، يتلاقى الممكن فيها واللا ممكن ويتقاطع فيها الخير مع الشر، و في شخصيته ثمة تناقض تختلط فيها السماحة بالنرجسية المريضة، لتشكل نفسية معقدة، وصراع دائم وهواجس وانفعالات لأتفه الأسباب
.. الصياح والعويل لا ينفعك بشيء، ستلتزمين بأوامري هذه المرة، لن تخرجي أبدا من البيت، كل هذا بسبب تقصيري تجاهك، تساهلاتي معك أدت إلى هذه النتيجة ، يا للعار قالت: أم زينب وهي تستشيط غضبا وحنقا على سلوك ابنتها، التي أحبتها ودللتها، بعدما علمت من أمرها أنها لطخت سمعتها في الحي، لمواعدتها متشرد وقاطع طريق. كانت أم زينب قد لاحظت في الفترة الأخيرة، بعض التغيرات في سلوك ابنتها التي تظل أحيانا كثيرة واجمة متغيرة المزاج، على غير عادتها، وأحيانا شاردة الذهن تنظر إلى اللاشيء، كما رأت إحدى المرات بعض الكدمات على رقبتها، وجرح خفيف على العنق يشي إلى علامات الظفر عند إنفلات الضحية من القبضة، سألت ابنتها مرارا عما إذا كانت تتعرض للتنمر في الجامعة أم لا، إلا أن رفض الفتاة دائما يفحمها، أما أن ابنتها أغرمت بقاطع طريق ينهال عليها ضربا، كان بالنسبة لها مستبعدا وضربا من الخيال، إلى أن أخبرتها ذات يوم إحدى جاراتها أن ابنتها بدأت تنحرف عن الآداب، وأنها على علاقة مع قاطع طريق، يضربها ويهينها في الشوارع أمام الملأ، ابنتي هي من أطلعتني على الأمر حينما يئست عن ثني زينب من التورط مع ذلك الشاب، صعقت أم زينب لسماع هذا الخبر، وثارت ثائرتها، حبستها في بيتها ومنعت منها الخروج، إلا أنها لم تعلم أباها في بادئ الأمر واخفت عنه الامر كليا خوفا عليها، وفكرت في تسريع خطوبة بنتها على ابن أخيها، الذي طلب يدها قبل سنه وهي نادمة على أنها كانت السبب في تأخير الخطوبة آنذاك، بحجة صغر سنها.
زينب ابنة أسرة محترمة متدينة ومعروفة بمكانتها الرفيعة، أبوها طبيب أمها كانت موظفة حكومية، قدمت استقالتها لتهتم بشئون أسرتها، وهي ابنة وزير سابق ، زينب الابنة الصغرى الوحيدة بين ثلاث رجال، نشأة مدللة، بنت أبيها وهي على حظ كبير من الجمال، مرحة خفيفة الظل، تورطت بعلاقة غرامية مع أحمد أحبته بصدق وإخلاص، وتعلقت به بشدة، أما هو بادلها نفس المشاعر في البداية، وكان تعيسا وبائسا، شديد الغضب والانفعال، غيور يتلذذ بتعذيبها، ويتعدي عليها بالضرب والتنكيل، يهينها بشكل فظيع، يعاني من السادية وحب التملك، يريد أن تكون حياتها متمحورة حوله فقط، انكشف سرهم بعدما تعرض لها في الشارع مرات، وتسربت أخبارهم كالنار في الهشيم، في خضم تلك الزوبعة، أكدت له زينب بعدما أتيحت لها الفرصة للخروج ومقابلته، أنها لا تستطيع رؤيته بعد الآن، وعرضت عليه أن يطلب يدها في الحال، أو أن يكف عن مطاردتها. يستحضر احمد ذلك الموقف وهو يتأملها من بعيد في الشاطئ
.. تسأل بحزن يا للتعاسة كيف لمثلي أن يحب؟ أنا الذي لا أستطيع تأمين قوت يومي، رباه كيف سمحت لنفسي السقوط في هذا الوحل؟
لماذا اتبعها متخفيا وأنا حتى لا استطيع الاقتراب منها بعد كل الذي دار بيننا، قبل كل شئ من أنا حتى أحبها! كانت غلطة ؟ الهروب عن الواقع ليس إلا .
رجع أدراجه يقصد المقهى، يجلس في زاويته المعتادة، يدخن بشراهة وبعصبة سيجارة تلو الأخرى، يشعر بالصداع، تتغير ملامحه شيئا فشيئا، يباغته الهذيان، يسمع صوت زينب وهي تضحك حينا، وتتوعده حينا، تتداخل الأصوات في رأسه أكثر وبحدة، يسمع أباه يهدده ويتوعده، القهوة جاهزة، يباغته الدوار وضبابية في الرؤية، يرى أمه تبتسم تفتح له ذراعيها .
. اشعر بالبرد يا أماه ضميني، أحمد أحمد يا إلهي محموم، لم يأكل شيئا ليومين . انتهت.
بقلم /محمد عتبان