لم يعد ما يجري في القرن الإفريقي شأنا إفريقيا داخليا أو صراعا بعيدا عن المجال العربي، بل هو جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي العربي وبصورة خاصة أمن البحر الأحمر. لما له من انعكاسات مباشرة على الأمن القومي العربي.
فان التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بشكل عام هي تعبير واضح عن دخول النظام الدولي مرحلة تعددية قطبية مضطربة، تتراجع فيها القواعد وتتصاعد سياسات فرض الأمر الواقع، بما يهدد الاستقرار الإقليمي والمصالح العربية الحيوية.
وقد مثلت خطوة الكيان الإسرائيلي بالاعتراف بحكم الأمر الواقع بإقليم أرض الصومال الانفصالي نقطة تحول خطيرة، ليس لأنها تمس وحدة دولة عربية أو إفريقية فحسب، بل لأنها تفتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط بالقوة،وتكريس منطق الأمر الواقع على حساب الشرعية الدولية.
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو إلى أين تسير المنطقة برمتها، بل كيف يمكن احتواء هذا المسار قبل أن يمتد أثره إلى قلب البحر الأحمر ويؤثر سلبا على الأمن القومي العربي ومصالحه الحيوية.
يتجه المشهد في القرن الإفريقي اليوم نحو استقطاب حاد بين مقاربتين متناقضتين.
أولهما التحالفات الأمنية–الاقتصادية المرنة التي تسعى إلى تعزيز النفوذ عبر السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف الدول المركزية وخلق كيانات هشة أو انفصالية. وثانيهما مبدأ الدفاع عن سيادة الدول الوطنية، ورفض منطق التقسيم أو الشرعنة الانفصال.
التي تتبناها دول عربية محورية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر، بالإضافة إلى تركيا ولا شك أن السعودية مؤهلة لقيادة هذا المحور نظرا لثقلها ومكانتها المحورية في المنطقة وفي العالم الإسلامي وسياستها المبنية على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية مما منحها ثقة ومصداقية دولية.. اما بالنسبة للعالم العربي، فإن التحرك الفوري لإفشال هذه المخططات لا يعد خلافا نظريا.
حيث ان زعزعة الصومال ودعم الكيانات الانفصالية على حساب الحكومة المركزية، أو تفكك السودان، أو عسكرة البحر الأحمر، كلها تطورات تنعكس مباشرة على أمن الملاحة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار في شبه الجزيرة العربية. وعلى الدول المشاطئة للبحر الأحمر. مما يستوجب تحركا عاجلا لإنقاذ ما يمكن انقاذه.
يحتل البحر الأحمر مكانة مركزية في الحسابات العربية. وخاصة السعودية وجمهورية مصر العربية فهو ليس مجرد ممر للتجارة والطاقة، بل فضاء أمني متصل مباشرة باستقرار الخليج العربي وشرق المتوسط.
وأي انفلات أمني في مضيق باب المندب ينعكس فورا على أسعار الطاقة، وحركة التجارة، وأمن السواحل العربية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المقاربة السعودية التي تركز على الاستقرار، واحترام سيادة الدول، وبناء شراكات إقليمية متوازنة أهمية خاصة، بوصفها رؤية تهدف إلى منع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى متنافسة.
وسط هذه التحديات، تبرز جمهورية جيبوتي ليس فقط كونها دولة إفريقية بل باعتبارها ذات عمق للأمن القومي العربي وفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله.
لأن استقرار جيبوتي ليس مصلحة وطنية فحسب، بل مصلحة عربية مباشرة، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في تأمين مدخل البحر الأحمر.
بالإضافة الى سياستها المبنية على احترام سيادة الدول وهو مبدأ تشترك فيه مع الدول العربية المحورية الداعمة لسيادة الدول وعدم خلق كيانات موازية لها.
وقد وجدت جيبوتي، في علاقاتها المتنامية مع المملكة العربية السعودية، شريكا داعما لنموذج الدولة المستقرة، القائمة على السيادة والانفتاح الاقتصادي المتوازن.
ويمنح هذا التقاطع في رؤى الرياض وجيبوتي مساحة للتعاون في مجالات الموانئ، والاستثمار، وأمن الملاحة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي.
تُظهر التطورات أن إدارة أزمة القرن الإفريقي لا يمكن أن تُترك لمبادرات متفرقة أو وساطات بعيدة عن الإقليم.
فالمطلوب عربيا في هذه الظروف الاستثنائية دعم وحدة الدول الإفريقية المتاخمة للبحر الأحمر ورفض أي اعترافات أحادية بالكيانات الانفصالية وتعزيز آليات التنسيق العربي–الإفريقي لأمن البحر الأحمر بالإضافة الى الاستثمار في الدول المستقرة المحورية، مثل جيبوتي، بوصفها ركائز توازن لا ساحة استقطابات وصراعات إقليمية ودولية. وفي هذا الإطار، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تلعب دورا جامعا، ليس فقط بثقلها السياسي والاقتصادي، بل أيضا بوصفها دولة محورية وذات ثقل إقليمي ودولي وقدرتها على بناء توافقات إقليمية تحمي الاستقرار وتحد من منطق المحاور المتصارعة.
إن ما يجري في القرن الإفريقي يشكل اختبارا حقيقيا لقدرة العالم العربي على التحرك كفاعل استراتيجي، لا مجرد متلقٍ للتداعيات.
فإما أن يُترك المجال لمنطق الفوضى والتفكك، أو أن تُبنى مقاربة عربية قائمة على الاستقرار، والشراكة، واحترام سيادة الدول. وفي زمن تتراجع فيه القواعد الدولية، يصبح الاستثمار في الاستقرار العربي–الإفريقي، وفي أمن البحر الأحمر، ليس خيارا سياسيا، بل ضرورة استراتيجية.
بقلم: نجيب علي طاهر