في صبيحة أحد أيام مطيرة، جلست في مقهى صغير على الرصيف، لأخذ استراحة قصيرة قبل الدوام، المقهى هادئ ليس فيه عدد كبير من الزبون، جلس شخصان بمقربة مني على الطاولة المجاورة قرب الرصيف، يبدو على سحنتهما الإعياء والسهر، يلبس كل منهما أسمال بالية، أحدهما فارع الطول لديه حول بالعين اليسرى، والآخر قصير القامة ضخم الجثة، يحمل كمية من القات يدخن بشراهة ...

طلب الأحول قنينتين من الكوكا كولا بصوت مرتفع لفت إليه أنظار الزبون والمارة، بطريقة همجية، بعدها التفت إلى صاحبه، وقال بنفس النبرة هيا اقسم لنا القات، لا أستطيع الانتظار قتلتني اللهفة، شرع صاحبه في القسمة بصمت، ناوله كمية تعادل الكمية التي استبقى في حوزته، عاود الأحول الصياح هذه المرة بنبرة أكثر حدة وقال: ما أنت سوى غشاش وقح، لا يعرف القسمة بالتساوي، ألعن اليوم الذي جمعني بك أيها الوغد، لم يعر صاحب القسمة أي اهتمام لثورته الآنية، ناوله عود إضافي آخر وقال: بصوت هادئ دعك عن المسرحية عد الأعواد نحن الآن لدينا نفس الكمية...

ما هي إلا لحظة انسجما معا، يشرعان في الغناء بحبور، يقفزان من أغنية إلى أخرى، ومن مقطع إلى آخر، يتطاير من فمهما رزاز القات ..

في الركن عند العمود يجلس صاحب المقهى، ينظر إليهما ويتابعهما بنظرات الانزعاج ببين الفينة والأخرى، بسبب الصخب الذي يثيرانه في المقهى، ازداد صخبهم أكثر ولم يستطع صاحب المقهى السكوت أكثر، قام من مكانه بانزعاج، اقترب إلى طاولتهم، بدأ يطالبهم بنبرة تنم عن الاحترام : أيها السيدان وأنتما تزعجان الزبون وتثيران الصخب وهذا ليس مسموحا، كما أن تعاطي القات هنا ممنوع، التفتا إليه معا وسألاه مرة واحدة، هل أنت صاحب المقهى؟

أجاب نافيا أنا مجرد عامل، وما أن أتم الكلمة، انفجرا بالضحك وقال : الأحول بسخرية، هلا عملت لنا معروفا هاتفت سيدك هذا تطلب منه تغيير هذا القانون الغبي؟

وعادا إلى الضحك الهستيري دون أن يعيرا له أي اهتمام، سكت الرجل مليا وهو واقف قبالتهم، لا يدري ماذا يفعل، بينما يتطاير من عينيه الشرر، يغالب نفسه من الانفعال حتى لا يرتكب حماقة، بدا من ردة فعله انه لم يصادفه موقفا كهذا من قبل، مكث دقيقة بهذه الحالة دون أن يقول كلمة كأنه مكهرب، أخيرا دور الرجل ظهره يقصد كنبته وهو يستعر غضبا.. فجأة ظهر من طرف الشارع، شرطي ضخم الجثة، قادم نحونا يمشي بكسل، وبخطوات ثابتة تخلوا عن الحيوية، يقصد مصلحة الشرطة على ما يبدوا، انتبه القصير إلى الشرطي، توقف عن ترديد مقطع الأغنية التي كان بتشاركها مع صاحبه، تغيرت سحنته للوهلة كمن فزع من أمر مباغت، أما الأحول يواصل الغناء في إيقاع مختلف عن إلايقاع الأصلي للأغنية، ربما تخبط بمقاطع الأغنية، بعد ما توقف صاحبه أراد القصير وهو في حالة خوف و ذهول أن يلفت إنتباه صاحبه الذي يتلاعب على الأغنية بصوته الأجش القبيح، لمح له بإشارة تلوى الأخرى، إلا أن الأخير لم ينتبه يدندن ويواصل بتخبط ، استشاط غضبا هذه المرة وعينيه على الشرطي، ماهي إلا لحظة دعس بقوة على رجله اليمنى بحنق، بينما صاح الأحول وهو يلعنه ويمطره بألفاظ شنيعة، إلا أن القصير نهره هذه المرة بيده بقوة وهو يقول: انظر إلى الأمام أيها الأرعن، تريد أن توقع بنا، أنظر إلى من هو قادم نحونا، برهة كتم الأحول أنفاسه، وهو لا يصدق ما تراه عينيه، اعتدل في جلسته يؤمئ رأسه إلى صاحبه ها مسا على أذنه اليسرى كمن يحرص سماع صوته، ما الحل الآن قل لي ماذا نفعل؟

 .. انتبهت إلى قهوتي الموضوعة أمامي على الطاولة، وجدتها لا تصلح للشرب مع هذا الجو الماطر إلا وهي ساخنة، تركتها كما هي على الطاولة، وأنا منسجم مع هذا المشهد السريالي، التفت إلى صاحب المقهى، وجدته عبوس الوجه يلتهمهما بنظرات الغضب، أدركت من نظراته انه لم يفطن إلى ارتباك الأحمقين، من ظهور الشرطي القادم نحونا، للوهلة أردت أن استدعي النادلة لتنبه سيدها أن هناك شرطي قادم نحونا ليتخلص من هذين المشاغبين بهذه الطريقة، قد يقتادهم الشرطي إلى مخفر الشرطة، غير أني عدلت عن الفكرة، وقلت ما لي ولمشاكلهم، تريثت لأرى ما سيحدث، مدركا أن الغضب أعمى صاحب المقهى وهو يفوت على نفسه فرصة ثمينة للانتقام منهما.

أتساءل وأنا أتابعهما بنظراتي سبب هذا التوتر والخوف من الشرطي الى درجة الارتباك هل في الأمر جريمة سرقة؟

ام اعتداء على المسالمين اقتادتهما إلى مخفر الشرطة؟ 

تحديد اليه حتى عاقبهم على ذلك بقوة؟

 أخرجتني النادلة عن الاسترسال، وهي تسأل لماذا لم اشرب القهوة، دون أن أجاوب طلبت منها فنجان قهوة !!! انسحبت ببطء وهي ترمقني بنظرة استفهام

.. الهدوء يعم المقهى بعد ما توقف مراثون الغناء بظهور الشر طي على الشارع، بينما الأحمقين يجلسان بأدب كبقية الزبون، اخفيا القات و الأعواد المرمية المبعثرة التي كانت تحجب الطاولة، بينما يختلسان النظر بتوتر وحرص شديد إلى صاحب المقهى خوفا من أن يورطهما مع الشرطي.

فجأة عبر الشرطي الشارع إلى الرصيف الآخر، بعدما لوح له أحد المارة اليد ليعبر نحوه.

 تنفس المشاغبين السعداء، وهما ينهضان بسرعة عجيبة ويتركان الحساب على الطاولة بصمت.

تفضل ارجوا أن تعجبك القهوة هذه المرة! التفت نحوها فإذا بنادلة أخرى.

 

انتهت بقلم / محمد عتبان