في غيظ الحر كم هو مريح أن تدخل إلى مقهى مكيف، وأنت تتقاطر عرقا بثياب مبللة، كأنك خارج توا من نفق في الجحيم، اتكأت بظهري على المقعد الوثير، في الركن عند الزاوية، المكان الذي يطيح لي رؤية كل من يدخل أو يخرج، بعد أخذ نفس طويل كمن أرهقه السفر، أخذت من على الطاولة منديل أمسح قطرات العرق المتبقية على جبهتي، وعيني على النادلة التي تتنقل من طاولة إلى أخرى، كأنها فراشة تتنقل من زهرة إلى أخرى، أشعر بعطش وأنا أنظر إلى المثلجات التي توضع على الطالة بالقرب مني، كم هو مريح أن تسكب في جوفك عصير بارد، في هذا الحر الذي يكتم الأنفاس، أخيرا تصل النادلة تعلوا شفتيها تلك الابتسامة الفاترة المصطنعة التي عرفت بها النادلات، وهي تضع قائمة الطلبيات على الطاولة .. مساء الخير سيدي طلباتكم أوامر، دون أن أنظر إلى القائمة طلبت منها عصير المنجا مع الأيسكرايم، وقنينة ماء، رفعت قائمة المشروبات من الطاولة، كالعادة القهوة تتقدم القائمة، أتساءل في نفسي، لم القهوة بأنواعها المختلفة دائما على رأس قائمة المشروبات، هل أنا الوحيد الذي لديه هذه الملاحظة؟

 أم أن عدوى القهوة أصابت المجتمع على حين غرة، وهل الجميع يتماها بخبث ويسكت؟ أم أن شرب القهوة تحول فجأة إلى موضة في جو تصل فيه درجة الحرارة أحيانا إلى سبع وأربعين درجة مئوية!

يبدوا أن أصحاب المقاهي حديثي الثراء، المنبهرين بالثقافة الغربية، استوردوا الفكرة من بلاد تموت حيطانها بردا، إلى وطن تتساقط فيها الطيور من كبد السماء حرا، يمكن أغلب هؤلاء يجهل هذا المناخ الذي يكوي الجماد قبل الحي، لأنهم محتمون في أديرة مكيفة، ولا حتى مهتمين بمشاهدة النشرات الجوية، أتستحضر ذلك الحكي وعلى شفتي ابتسامة ساخرة، أن هناك مسئولا أصابته وعكة صحية سافر إلى فرنسا، لمعاينة حالته الصحية هناك، بعد إجراء فحوصات لازمة، طلب منه الطبيب السفر فترة للإستجمام إلى إفريقيا أو الشرق الأوسط، لأن فتحات الجسم لديه شبه مغلقة، بسبب الطقس البارد في أوروبا، وأن الخلايا المسئولة بفتحات الجسم متعبة، وتحتاج على الأقل إلى جو حار حتى تتفتح يسيل منها العرق، ولا يدري الطبيب أن الرجل أتى من بلد يقع بالقرب من فوهة الجحيم

.. انتبهت إلى صرير الباب الذي دفع عنوة، من قبل نادل أسرع عند رؤية شخصية مهمة، دلف إلى المقهى شخص أربعيني متوسط القامة جميل المحيى، يلبس بدلة سوداء أنيقة، مع ربطة عنق مناسبة، ونظارة طبية تتناسق مع وجهه الشبه الدائري، وأطراف الشعر الكيرلي الممزوجة بالبياض تنام على جبهته، وتمسك ذراعه اليمنى فتاة جميله، شابة، سمراء، هيفاء ممشوقة القوام، تلبس قميس ذهبي من الحرير، مفتوح حتى الصدرية، وسروال من نفس اللون، شعرها الكستنائي ملفوف على مؤخرة الرأس بعناية تنسدل على جبهتها اليسرى غرة شعر مموزجة لإضفاء لمسة عفوية أنثوية، هذه التسريحة تعطى لشعرها الكستنائي ووجهها الدائري ورقبتها الطويلة تناسق عجيب، وقيراط أذن من ذهب منسدلة، ونظارة طبية ذهبية كبيرة بشكل دائري، متناسقة مع أنف عربي.

لحقهم النادل وهو يقتادهم إلى طاولة قريبة من طاولتي، يجلس بالطاولة الموازية لطاولتهما، شاب وشابة من أصول عربية، يهم الرجل للجلوس يفتح إزار بدلته يقهقه على الموبايل، ينما النادل يمسك الكرسي الوثير وراءه، حتى يجلس السيد بأريحية، جلست الفتاة أمامه مباشرة واضعة حقيبتها السوداء المصنوعة من صبغ الجلود على الطاولة، النادل واقف قبالتهم ينتظر الطلبات، بينما الرجل منسجم مع المكالمة يضحك ويقهقه، أما الفتاة تعاين ما في بريد هاتفها أو تتسلى على لقطات من التك توك، انتظر النادل برهة حتى ينهي السيد مكالمته، إلا أن الأخير يواصل حديثه دن انقطاع، ودون أن يعير لوقوفه أي اعتبار، أخيرا يلوح النادل يده إلى نادلة أخرى لتنوب مكانه حتى ينهي السيد مكالمته الحصرية .. قلت في نفسي هذا هو الجاه، وسحر المال، الذي يفتقده الأغلبية، الكل يسرع لخدمتك أينما حللت، حتى أن البعض أصبح لديهم مع الوقت الحاسة السادسة تجاه هؤلاء أصحاب النفوذ، يهرعون إليهم قبل الوصول بدقائق، مثل ما فعل هذا النادل الآن، بينما الناس العاديين مثلي، لا أحد يستقبلهم بهذه الطريقة، حتى وإن كانت طلبات أسعارنا تتطابق بعد الأحيان، إلا أن للغنى مفعولها وسحرها، يبدو أن الرجل ذو مكانة، قد يكون أحد المسئولين الذين يشغلون المناسب الحلوب، أو من التجار الناجحين.

أنهى الرجل مكالمته بعد ربع ساعة تقريبا، النادلة واقفة أمامه دون حراك كالتمثال، لم يبدي اهتمامه للنادلة بدأ يحادث فتاته، يسجر الشيشة الكترونية، أخيرا التفت إلى النادلة يطلب منها قائمة الطلبيات، ردت عليه النادلة بكل أدب إنها على الطاولة أمامك سيدي.

اتكأ بظهره على الكرسي الوثير يسجر، بينما صاحبته منسجمة مع هاتفها.. للوهلة أردت الخروج من المقهى، تذكرت ما ينتظرني في الخارج ليس بالحرارة العادية بل الكاوية، يالله أتراجع أخوفا.

لحظة أشعر أن هناك شيئا غير عادي يجري، الفتاة التي تجلس على الطاولة المجاورة مع الشاب، تظهر عليها حركات الارتباك، وعدم الارتياح، والشاب غافل، أخيرا انتبهت إلى أن السيد يلتهم الفتاة بنظراته الشهوانية التي لا تعرف الحشمة، ربما صاحبته المدمنة على هاتفها، تراسل شخصا آخر عبر حسابها، دون أن يعلم، أخيرا قامت الشابة ومعها الشاب من الطاولة.

 

 انتهت. بقلم محمد عتبان