جلست والخوف بعينيها تنظر نحو المنحدر، كمن يترقب مفاجأة سارة، أو قادما يحمل معه فرجة تثلج صدرها من منغصات أثقلت كاهلها خوفا وهلعا مذ نعومة أظفارها، أرجوك يا حبيبي لا تخيب ظني هذه المرة، قالت: وهي تمسح من عينيها دمعة حارة مكابرة ، تتذكر أحداث ذلك المساء المشئوم.
جلسة القرفصاء على الصخرة الملساء فوق تل يقع عند مفترق الطرق، المكان الذي اعتادت تقصده لتختلي بنفسها كل ما حاصرها هم أو تلقت تعنيفا من أمها.
اعتادت مريم على الإذلال وسوء المعاملة والتهميش ، ذاقت مرارة اليتم المبكر، وحرمان الطفولة، على يد أمها الثانية، يقال أن القدر لا يخطئ سهامه إلا أن سهم الشقاء كان أقرب إلى الطفلة من حضن اليتم ..
ضعف شخصية الأب وحنان الأبوة المفقودة، أمام زوبعة الأم الثانية وشراستها، أدت على إخفاق الأب حماية فلذة كبده ، ترى أي أب هذا الذي يرضى أن تعامل ابنته اليتيمة تلك المعاملة، يترك التصرف لزوجته الثانية، تنهش طفولتها البريئة أمام عينيه. استشعر مرارة تلك المقولة الثقيلة التي سمعتها يوما ولا أدري من القائل: اليتيم هو من ماتت أمه، وليس من مات أبوه.
سحقا لأبوة هادرة، تعجز عن حماية فلذة كبد مرتعبة وخائفة، تستنجدها، وتزعج بصرخاتها رفات أمومة حانية تحت الثرى.
أرغمت الطفلة مبكرا على أشغال البيت كخادمة، لم تشفع لها براءة الطفولة، وصحتها المهترئة من مواجهة المكتوب، كغيرها ممن كتب له الشقاء في الحياة، ليتربى في كنف أمها الثانية.
نشأة الطفلة وعلى رأسها سيف مسلط حتى قوي عودها، لم يند عنها يوما سلوك سيئ، أو حتى لفتة توحي إلى سوء تصرف، هادئة الطبع، يغلي في عروقها التمرد أحيانا، وهي صفة اكتسبتها من طول المعاملات السيئة التي ألفت، وهي التي لم تتلقى يوما كلمة طيبة، مهما أجهدت نفسها لاسترضاء خاطر الأم، سوى الشتم والنعت بأقبح الألفاظ ..
دأبت الأم على اهانة الطفلة أمام أخواتها الثلاث، بينما هن يستمتعن على إذلالها أمامها، ويغمزن لبعضهن بخبث، كأنها دخيلة على العائلة.
تنفست مريم بصعوبة، وفي حلقها غصة، وعينها على الطريق، تسترجع ذكريات مؤلمة، مر عليها عقد من الزمن، إلا أن وقع تلك الأحداث الأليمة يقطع نيات قلبها الصغير، وهي تستحضر ذلك المساء المشئوم، وتلك الكلمات الرقيقة، من أم أقعدها المرض، وتلك اللحظة الحانية في حضن قضى عليها القدر أن تفارقها إلى الأبد، والدمعة الساخنة، الممزوجة بالألم والحسرة، وتنهيدة متقطعة، وشهقة أخيرة، تعقبها برودة حضن، وصراخ أهل مخيف .. سمح لمريم أن تمكث عند جدتها أسبوعين بعد طلب متكرر من الجدة، في أحد الأيام لمحها شاب من الجيران، انجذب إليها من أول نظرة، بدأ يراقبها، حاول الوصول إليها، واستمالتها بكل الوسائل، إلا أنها لم تجاوبه، أخيرا يأس الشاب من أمرها، إلا أن عزمه وعناده كان أقوى من أن يتراجع، فاتح أمه على الموضع بعد تردد لتطلب له يد البنت من خالتها، وافقت الأم على طلبه، بدأت سعيدة في اختيار ابنها، دون أن تعرف من الفتاة شيئا سوى أنها ابنة صديقة صباها الراحلة، فاتحت الأم خالة مريم بالموضوع، فرحة الأخيرة بشدة، واستبشرت، وهي تدرك معاناة ابنة أختها في كنف أمها الثانية، وأدركت أن ابنة أختها لا تجد للزواج أرجلا أحسن من أحمد، سليل العائلة المحترمة، نصحت الخالة جارتها أن تطلب فورا من زوجها، طلب يد البنت من أبها لإبنه، لأن الكلمة الأخير بحكم العادة تكون لوالدها. وبعد تشجيع من خالتها قبلت مريم فكرة الزواج من الشاب، وتعرفت عليه مع الأيام، حتى تعلقت به وبادلته المشاعر.
أحمد شاب مؤدب متدين ليس ككل الشباب، لا يعرف طيش الشباب طريقا إليه، يختلف عن أقرانه في كل شيء، وهو ابن أحد الأعيان في القرية، أبوه رجل دين محترم، وشيخ قبلة، مهاب الجانب، لديه كلمة مسموعة ليس بالقرية فحسب بل في المنطقة كلها.
بعد مضي شهر قصد والد أحمد قرية مريم، ليطلب يدها لإبنه البكر من أبيها رسميا، استقبل الشيخ من قبل والد مريم استقبالا حارا، فاتحه بالموضوع وقال: قصدتك لطلب يد ابنتك لابني، سماحة الشيخ لدي ثلاث بنات أيهما ترى تشرفني أن تكون عروسا لإبنك، قال: الكبرى إبنة المرحومة مريم سكت الأب مليا، كأنه يفكر في أمر ما لك ما تطلبه سماحة الشيخ ولنا الشرف في مصاهرتكم اتفق الأبوين على تاريخ الزيجة، وبعد الأمور المطلوبة ، كانت أم مريم وراء الباب تنصت إلى حديث الشيخ وزجها، وتأكدت من حديثهما أن الشيخ أتي لطلب يد مريم لإبنه، استشاطت الأم غضبا وهي تحترق غيرة تقول لنفسها، لن أسمح لها بالزواج، كيف يريد أن يزوجها قبل بناتي؟
وما إن خرج الشيخ من البيت ، تشاجرت الأم مع زوجها على قبول طلب، يد إبنته دون أن يستشيرها، وأقسمت أن هذا الزواج سيكون ملغيا، ولم ينبس الزوج كلمة، أقعده السكوت خوفا أمام ثائرة الزوجة.
بعدما أفرغت الأم قاموسها من الشتائم، قصدت غرفة مريم لتعنفها، على ما قد بدر منها من سلوك سيئ معيب، أن تتخذ لنفسها حبيبا وتختلي به، حتى تغريه ليطلب يدها للزواج ، عاقبتها على الفعل الشنيع وضربتها ضربا مبرحا.. بعد شهر من الحادث، أرسل والد مريم، إلى الشيخ رسالة اعتذار، يعلمه أنه تراجع عن قبول ابنته للزواج من ابنه لأسباب عائلية، غضب الشيخ غضبا شديدا، من سلوك الرجل، وثارت ثائرته، واعتبره إهانة في شخصه، وأقسم أنه سيمنع التزاوج بين القبيلتين بسببه، وسيقطع قبيلة التي ينتمي إليه الرجل من رابطة القبائل، حتى يتم غسل العار الذي لحق به.
بعد سماع أحمد الخبر المشئوم قرر زيارة قريتها متخفيا ليلتقي بها، وإقناعها على الهروب، والزواج منها بعيد عن هذا الجوا.. أرسلت الشمس خيوطها الذهبية على الروابي والتلال القريبة، و سرب من الطيور يقصد مدجعه، قبل انحلال الظلام. لمحت مريم قدوم حبيبها وهو يحمل حقيبته على ظهره، قامت من مكانها، تلتقط حقيبتها.
انتهت . بقلم / محمد عتبان