ثقافة العيش على الآخر فكرت كثيرًا: لماذا العمالة المحلية عندنا (المواطنون) غير راضية عن الرواتب التي تتقاضاها، بينما العمالة الأجنبية راضية عما يتوفر لديهم؟ قد نختلف وتتعدد فينا وجهات النظر في الأسباب الحقيقية، وقد يكون أهمها حسب الكثيرين من المحللين هو الفارق المعيشي بين هذا البلد وذاك البلد.

 لكني أعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في الظاهرة التي فحواها: أننا نعول على عشرة من أبنائنا وعشرة آخرون من أبناء الأقارب.

يعني الظاهرة ليست اقتصادية أكثر ما تكون اجتماعية. بينما هؤلاء (العمالة الوافدة) لا يعولون إلا على أنفسهم قبل الزواج، أو على أنفسهم وواحد أو اثنان من الأبناء بعد الزواج. رحم الله أستاذنا الشيخ إبراهيم شريف، مربي الأجيال، نور الله قبره وجعله في العليين، كان من حكمه التربوية: نحن مجتمع كأننا خلقنا لنحارب الناجحين، فالذي يريد أن يتقدم إلى الأمام أو يريد أن يجعل لنفسه هدفًا فإن هناك من لا يسمح له أن يمضي خطوة واحدة إلى الأمام، واحد يعمل في العائلة والبقية يأكلون.

 رحمه الله.. يا ترى إلى أين تريد أن تصل أو ماذا تستطيع أن تفعل إذا كنت تعول على عشرين فردًا في بيتك مع الراتب الذي تعرفه. أن يعيش البعض وهم كثيرون، كلٌا على الآخرين وهم قليلون، ثقافة اجتماعية قائمة ومنتشرة عندنا.

 قد يساندها البعض لأنها إسلامية ونحن مسلمون، حسب فهمهم الخاص لمفهوم صلة الرحم.

 علمًا أن صلة الرحم في الإسلام تعني زيارة الأقارب ومساعدتهم وإعطائهم حقوقهم ولا تعني بالضرورة أن يعيشوا على حسابك في بيتك، وقد يرى البعض أنها واقع لا مفر منه، وما عليك إلا أن تتكيف معه، وهذا هو الحاصل في مجتمعنا، وقد يمقتها البعض لأنهم يئنون مدى الحياة من تبعاتها، ولهذا تجدهم يحاولون قدر المستطاع أن لا يعيش في بيوتهم إلا هم وأطفالهم فقط، وقد يرون في بعض الأحيان أن تحديد النسل هو نفسه جزء من الحل.

 أعتقد أن هذه الثقافة تتواجد أكثر عند الذين هم من أصول ريفية، السباقون إلى المدن، أما الأجيال الناشئة الذين هم من أصول حضرية فهم في غنى عنها.

وإذا وجد السبب بطل العجب. وقد أدت هذه الثقافة عند الذين يعيشون على حساب الآخرين إلى فقدان الاستقلالية والثقة بالنفس، كما أدت عندهم إلى فقدان المهارات والقدرات الشخصية.

 لتغيير ثقافة العيش على الآخر يمكننا أن ننشر ثقافة الاعتماد على النفس، من خلال تشجيع الأفراد على الاعتماد على أنفسهم وتحمل المسؤولية، وتعليمهم المهارات اللازمة لتحقيق الاستقلالية، وتشجيعهم على العمل الحر.

فعندما يعتمد الشخص على نفسه، يزيد من ثقته بنفسه ويحقق إنجازات أكثر. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز».

 وفي حديث آخر يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى».

 

 د. عثمان فريد، أستاذ بالجامعة