في مساء رتيب، جلست في مكتبي بمزاج عكر، أهمُّ بكتابة تحقيق صحفي، وعامل الوقت يزاحمني؛ فرئيس التحرير ينتظر المادة الصحفية على أحر من الجمر.

 على غير عادته، يذرع رئيس التحرير الرواق الذي يفصل مكتبه عن غرف التحرير ذهاباً وإياباً، مطرقاً رأسه حيناً، وينظر في الفراغ حيناً آخر.

يسلم بإيماءة فاترة على من يمر عليه من الزملاء، ويسجر سيجارته بعصبية، ثم يشعل الأخرى دون أن يكمل الأولى؛ كم واحدة سيحتاج ليطفئ ظمأ أعصابه؟

 إنها مهنة المتاعب.. أنظر إليه عبر نافذة مكتبي.

 اعتدلت في جلستي أمام شاشة الكمبيوتر، ومعي «نوتة» دونت فيها بعض المعلومات المفيدة؛ رؤوس أقلام لمقابلات حصرية أجريتها مع أشخاص لديهم صلة قوية بدهاليز الاتجار بالبشر.

أمكث ربع ساعة، ويدي على لوحة المفاتيح دون أن أكتب جملة مفيدة. ما الذي حل بي؟

 أهو تبلد ذهني آني يعتريني أحياناً، أم خوف من حساسية الموضوع الذي أرهق كاهل المجتمع وأصبح حديث الساعة بعد الكوارث المتتالية؟

 خرجت من المكتب لأحتسي فنجان قهوة، ولأضع شيئاً من الترتيب الداخلي.

وقفت أمام المبنى الرئيسي للوزارة كمن أضاع بوصلته، أبحث عن موضع سيارتي. تحركت ناحية الشارع العام المؤدي إلى رئاسة الجمهورية بخطى ثقيلة، وسط ضوضاء السيارات المتراصة أمام الإشارة الحمراء.

قطعت الطريق متوجهاً نحو مبنى الإذاعة والتلفزيون حيث ركنت سيارتي في ساعة الذروة.

بصعوبة استطعت التحرك بالسيارة بسبب زحام في المرور، ورأسي مثقل بالأفكار. نحو الكورنيش أقصد مقهى (مون لايت)، جلست في الركن عند النافذة المطلة على البحر، أخرجت «النوتة» من الحقيبة لألقي عليها نظرة؛

 سطور بقلم الرصاص، فواصل على العجل، علامات استفهام لبعض الجمل، وخطوط دائرية حول السطور المهمة.

استحضر ذهني أول مقابلة مع أحد القائمين على التهريب؛ عرضت عليه في البداية أن يقتادني إلى مكان تواجد المهاجرين لألقي نظرة على المكان.

ذهلت حينما رأيت كتلاً بشرية مكدسة في مساحة لا تتسع لخمسة أشخاص، تفوح منهم رائحة كريهة. لم أتحمل المشهد، فخرجت مسرعاً وقلت: «كم مبلغاً يتقاضون عن الفرد للوصول إلى الوجهة الأخيرة؟».

 قال: «مبلغ سخي جداً». قلت بسخرية: «الضيافة لا بأس بها!»؛ نظر إليّ بامتعاض، ثم بادر بابتسامة باردة مصطنعة كاشفاً عن أسنانه السوداء التي نقرها السوس وقال بخبث: «بما أن المجال مغرٍ، فما زال لدينا نقص في الموارد البشرية».

قلت: «هل تدركون كلفة هذا العمل، لا سيما في هذا التوقيت؟

ألا تتابعون الأخبار؟». دخل في نوبة من الضحك، وأخيراً ربت على كتفي وقال: «أخباركم لا تقدم ولا تؤخر!».

دهشت من جرأته بعض الشيء، وتابع يقول: «هل سمعت، عمل كهذا مدر للدخل الجيد بلا كلفة؟،

 مع أننا نقوم بمهام وطنية بامتياز، فوطنيتنا لا تقارن!».

قلت مستفهماً: «ماذا تقصد؟».

 يواصل حديثه: «انظر، نحن نقوم بتنظيف البلد من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين؛ نقتادهم إلى وجهتهم بسلام حتى لا يشكلوا عبئاً على البلد، وما دامت هناك ثغرات في الحدود فمن حقنا أن نقوم بترحيلهم».

قلت: «هل تريد أن تقول إن سلطات الحدود لا تقوم بعملها على الوجه المطلوب؟».

 قال: «لا، لا لم أقصد ذلك، الجميع يعلم أن المهاجرين يعرفون طرقاً ملتوية لا يستطيع أمن الحدود الوصول إليها».

قلت في نفسي: «هذا الأحمق يريد أن يتذاكى عليّ؛

الكل يعلم أن هناك شبكات سرية للاتجار بالبشر هو جزء منها، تربط عدة بلدان، ومسؤولة عن خسارة مئات الأرواح في عرض البحر على قوارب الموت».

قطع النادل خيط الحوار من ذهني العاصف وهو يضع فنجان «كابتشينو» على الطاولة مع ملعقة وقطعتين من السكر، وقطعة من «كرواسون»، دون أن يكلمني أو يسأل عن طلبي، بل يأتيني بالطلبية على مزاجه.

 رفعت رأسي أنظر إليه باستغراب، فابتسم قائلاً قبل أن يتحرك ويدير ظهره: «»بون أبتيت» ؛

 وهي كلمة فرنسية تعني «صحة وعافية»، تستخدم كعبارة مجاملة شائعة قبل البدء في تناول الطعام.

 يا ساتر! الدنيا بخير، هل الرجل ذبح لي خروفاً؟

 ماذا بحق الله!

سكت وأنا أطوف بعيني لأبحث عن نادل آخر أو نادلة لأطلب منها فنجان «إسبرسو»؛ أحتاج إلى قهوة مركزة، فذهني مشحون وأبحث عن خيوط لربط الأحداث.

 مقابلات ميدانية في أوكار التهريب، وأخرى لمسؤولين وأصحاب الشأن، تحتاج إلى ترتيب ومعاينة أو غربلة.

مقتطفات عشوائية دونتها في طريقي إلى المحافظات الشمالية، وأخرى في دهاليز (عنجارو) الواقعة في محافظة أبخ؛

المحطة الأخيرة للعبور نحو الضفة الأخرى، أو إلى الآخرة. وإذا رنات متتالية من بريد الهاتف، أسحب الهاتف من على الطاولة أعاين البريد، برقية من الزميل تشير إلى خبر عاجل غرق مئتان من المهاجرين غير النظاميين ، بالقرب من باب المندب، وخبر آخر القبض على بعض القائمين بالتهريب

.. اتذكر عامل الوقت ، قمت مستعجلا اقصد مقر الجريدة..انتهت

 

 بقلم / محمد عتبان