يُعدّ المقال المنشور في مجلة African Business الواجهة الإعلامية الرائدة للأعمال والاقتصاد في القارة ضمن عددها الخاص بمنتدى دافوس(Davos) 2026، إضافة نوعية وقراءة معمقة للتحول الاستراتيجي الذي تقوده جمهورية جيبوتي.

فمن خلال استضافتها لـ «المنتدى الأفريقي الأول للجرائد الرسمية»، أثبتت جيبوتي أنها تمتلك رؤية ثاقبة تتجاوز دورها الجيوسياسي كبوابة للتجارة والخدمات اللوجستية، لتضع حجر الأساس لبناء «عقل» قانوني ورقمي للقارة الأفريقية.

إن ما قامت به جمهورية جيبوتي تحت قيادة الرئيس إسماعيل عمر جيله، يمثل نقلة نوعية في مفهوم السيادة الوطنية؛ فمن خلال رقمنة 125 عاماً من الأرشيف القانوني وحشد 18 دولة أفريقية لتوحيد الرؤى حول الحوكمة، تؤكد جيبوتي أنها «دولة صغيرة بمساحتها، لكنها عملاقة بطموحها وتأثيرها».

ويكتسب هذا النشر أهمية مضاعفة لارتباطه بأوساط المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، مما يعكس إدراكاً دولياً متنامياً بأن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل ترسيخ الشفافية المؤسسية، وصون الذاكرة التشريعية، وتعزيز السيادة الرقمية كركائز أساسية للاستقرار والتقدم في القارة السمراء.

نص المقال المترجم بناءً على زخم انتصارها الدبلوماسي على مستوى الاتحاد الأفريقي، تضع جمهورية جيبوتي بصمتها مرة أخرى على الساحة القارية.

ومن خلال استضافتها لأول منتدى للجرائد الرسمية الأفريقية، تستغل هذه الدولة الصغيرة في القرن الأفريقي مصدراً آخر للنفوذ: الحوكمة القانونية والشفافية المؤسسية تقرير «أفريكان بيزنس».

منتدى الجرائد الرسمية الأفريقية الأول يطلق توجهاً جديداً في فبراير 2025، حققت جمهورية جيبوتي نجاحاً دبلوماسياً كبيراً بانتخاب وزير خارجيتها، محمود علي يوسف، رئيساً لمفوضية الاتحاد الأفريقي، مما منح البلاد رؤية وبروزاً غير مسبوقين على الساحة القارية.

وبعد ثمانية أشهر يستمر هذا الزخم دون توقف. فهذا البلد الطموح، الذي يقطنه مليون نسمة، يعتزم الآن بسط نفوذه في مجال مختلف تماماً: القانون والبيانات.

وفي هذا السياق، استضافت جيبوتي أول منتدى للجرائد الرسمية الأفريقية في 15 و16 أكتوبر، المخصص للحوكمة القانونية والسيادة الرقمية.

 جمع هذا الحدث غير المسبوق، الذي يقع عند تقاطع القانون والتكنولوجيا الرقمية، 18 وفداً أفريقياً لمناقشة الحوكمة القانونية، والشفافية المؤسسية، والسيطرة على المعلومات العامة.

«اليوم، بالنسبة للعديد من المواطنين، إذا ذُكرت ‹الجريدة الرسمية›، فإن قلة قليلة فقط هم من يعرفون ماهيتها أو ما تتضمنه.

فما الذي يتم فعله لضمان ألا يظل القانون مجهولاً، بل يصبح معلوماً للجميع؟» دولة صغيرة بطموحات كبيرة اكتشف معظم المندوبين جمهورية جيبوتي لأول مرة خلال هذا الحدث.

وغالباً ما يُستشهد بهذه الدولة في القرن الأفريقي كنموذج للاستقرار السياسي والاقتصادي.

جيبوتي، المعروفة باستضافتها لعدة قواعد عسكرية أجنبية، والمدعومة بموانئها وعملتها المرتبطة بالدولار، تتمتع بنمو مستمر منذ أكثر من 20 عاماً، وقد أكدت مؤخراً نفوذها على الصعيدين الإقليمي والقاري.

ومن خلال المبادرة باستضافة أول منتدى للجرائد الرسمية الأفريقية على الإطلاق، تعتزم جيبوتي الآن إثبات أنها لم تعد تقتصر على دورها كمركز لوجستي تمر عبر موانئه 90% من الواردات الإثيوبية.

 إنها تسعى لتنويع نفوذها، أسوة بالمراكز الكبرى الأخرى في الخليج، بناءً على الانفتاح وجودة الخدمات، ولكن هذه المرة في مجالي القانون والتكنولوجيا الرقمية.

وللتأكيد على أهمية موضوع المنتدى، قام الرئيس إسماعيل عمر جيله بنفسه بافتتاح الحدث. وأبرز حفل الافتتاح الذي أقيم في القاعة الكبرى للمكتبة الوطنية والأرشيف أهمية المنتدى وسبب انعقاده.

وقال مخاطباً وفوداً من 18 دولة أفريقية، من بينها السنغال والمغرب والجزائر وجزر القمر والصومال: «الجريدة الرسمية جزء لا يتجزأ من تاريخ كل بلد من بلداننا»، داعياً إلى «حماية هذه الذاكرة المؤسسية» للقارة الأفريقية.

حراس القانون للوهلة الأولى، قد يبدو الموضوع جافاً. فمن يهتم بالجرائد الرسمية للدول بخلاف المحامين؟ ومع ذلك، فإن كل دولة تعتمد على هذه الأداة السرية التي تجعل القوانين علنية وتمنحها القوة التنفيذية.

ويقول ألمس محمد عبد الله، الأمين العام للحكومة ومنظم المنتدى: «إنها العمود الفقري للدولة.. فبدون إطار قانوني متين، لا يمكن للدولة أن توجد أو تصمد».

 وفي هذه النسخة الأولى من المنتدى، جمعت جيبوتي من تسميهم «حراس المعبد»: وزراء، ونواب وزراء، ومديرين عامين للمطابع الوطنية، وأرشيفيين، وخبراء قانونيين الذين يعملون خلف الكواليس لضمان الاستمرارية القانونية للدول.

بالنسبة للقارة ككل، لا يزال واقع الأرشيف متفاوتاً؛ فبعض الدول لا تزال تنشر نصوصها ورقياً وبشكل غير منتظم، بينما تتجه دول أخرى نحو الرقمنة ولكن دون إطار مشترك أو توافق في التشغيل البيني.

ومن واقع تجربتها الخاصة، شعرت جيبوتي بالحاجة إلى عقد منتدى للفاعلين الرئيسيين، وهو الأول من نوعه في أفريقيا، لإعطاء هذه القضية الحيوية زخماً شاملاً ومتنوعاً.

عندما تولى منصبه قبل أربع سنوات، وجد الأمين العام ألمس محمد عبد الله المنصة في حالة توقف والأرشيف مهدداً، كما لم يكن هناك تعاون حقيقي أو تبادل للأفكار على المستوى القاري.

 ويقول: «أردت أن أطلب المساعدة من جيراني، وحينها أدركت وجود فراغ».

أدى هذا الوضع إلى ولادة مشروع مزدوج: استعادة «الذاكرة التشريعية» لجيبوتي، وبناء فضاء أفريقي للتعاون في هذا الشأن.

قامت جمهورية جيبوتي الآن برقمنة 125 عاماً من الأرشيف، من عام 1900 إلى يومنا هذا، ويتم الاطلاع على الجريدة الرسمية من قبل أكثر من 2000 شخص يومياً.

 وبالنسبة للأمين العام السيد ألمس محمد عبد الله، فإن منتدى الجرائد الرسمية الأفريقية هو امتداد طبيعي لهذا العمل: «أردنا مشاركة هذه التجربة وتشجيع الدول الأخرى على فعل الشيء نفسه».

تبادل الخبرات والتقارب الأفريقي على مدار يومين، تبادل المندوبون تجاربهم.

وقال السيد ألمس محمد عبد الله: «هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تنظيم مثل هذا المنتدى في أفريقيا.

 جيبوتي تقود الطريق، بعد أن رقمنت 125 عاماً من الجرائد الرسمية».

واعترف بأن الطريق لا يزال طويلاً، مشيداً بـ «الفضاء الفريد للحوار بين أولئك الذين يحافظون على الذاكرة المؤسسية القانونية للقارة».

وكان هناك حماس مماثل في الصومال، حيث أدت الحروب الأهلية إلى انقطاع نشر الجرائد الرسمية لأكثر من عقدين.

ويقول أحمد عبد الرحمن حسن، نائب وزير العدل والشؤون الدستورية الصومالي: «نحن الآن نعيد نشرها عبر الإنترنت باللغتين الصومالية والإنجليزية.

هذا التعاون الأفريقي ضروري لترسيخ الشفافية».

 وفي بوركينا فاسو، التي تمر بمشروع تحديث رقمي، يشدد رئيس قسم الجريدة الرسمية، ويوبي بوي إيغناس باتيونو، على نقطة واحدة: تعريف أكبر عدد ممكن من الناس بالجريدة الرسمية.

 ويشاركه الرأي نفسه من تونس منصف عوادي، المسؤول في رئاسة الحكومة، الذي أشار إلى أن الجريدة الرسمية ليست سوى حلقة واحدة في السلسلة الإدارية: «النشر لا يكفي؛ يجب جعل القانون مفهوماً ومتاحاً للجميع».

ركزت المناقشات أيضاً على التحديات الجديدة للتكنولوجيا الرقمية؛ استخدام الذكاء الاصطناعي لفهرسة النصوص، وأمن البيانات، والقضية الحساسة المتعلقة باستضافة البيانات.

 «من يستضيف نصوصنا القانونية؟

ومن يسيطر على ذاكرة دولنا؟» وتساءل أحد المشاركين، ملخصاً الخوف من التبعية لخدمات السحابة المملوكة لأجانب.

 كانت هذه أيضاً فرصة لجيبوتي لاستعراض خبرتها الرقمية ؛ فهي واحدة من أكثر الدول اتصالاً في القارة، حيث تعبر أراضيها عشرة كابلات بحرية.

 وهي تريد الآن تحويل هذا الموقع الجيوستراتيجي إلى رافعة للسيادة من خلال تطوير مراكز البيانات الخاصة بها وإطار قانوني مخصص للحوكمة الرقمية.

معرض موازٍ بالتوازي مع منتدى الجرائد الرسمية الأفريقية، تتبع معرض تراثي أقيم في المبنى نفسه تاريخ البلاد، من السلطنات الأولى إلى الاستقلال، وأظهر كيف أن رقمنة الأرشيف هي جزء من استمرار تاريخي.

لخصت السيدة هبو مؤمن عسوه، وزيرة الشباب والثقافة، الأمر قائلة: «تتبع تاريخنا يعني فهم كيفية بناء الدولة من أجل النهوض بها بشكل أفضل».

ومع اختتام المنتدى، أكد الأمين العام السيد ألمس محمد عبد الله على ضرورة الحفاظ على الزخم الجماعي، قائلاً: «لقد غادر القطار المحطة»، مشيداً بـ «بدايات ولادة مجتمع قانوني رقمي أفريقي».

وقد تم الإعلان بالفعل عن النسخة الثانية من المنتدى لعام 2026 في جيبوتي، وهي علامة على أن الزخم قد بدأ بالفعل.

 إن فهم ماضينا أمر بالغ الأهمية لرسم مستقبلنا، وهي نقطة كررها فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله في خطابه الافتتاحي داعياً إلى مزيد من العمل في هذا الصدد: «يجب علينا الآن العودة إلى تاريخ السلطنات لرقمنة ذاكرتنا بالكامل».

إعداد : إسماعيل محمود دبد