في هذا العالم تبدأ رحلة الإنسان منذ نعومة أظفاره؛ رحلةً يكافح فيها ويكدّ ليكتشف مكنونه، وليصنع طريقًا يرى نفسه الأحقَّ بالسير فيه.

 ومع كل عقبةٍ يبرز تحدٍّ جديد، وتزداد صعوبة الطريق مع مرور الزمن، حتى يبلغ المرء أحيانًا مرحلةً يصبح فيها ما يبدو بسيطًا في أعين الآخرين أمرًا تعجيزيًا بالنسبة إليه.

 كأنَّ حائطًا يقوم بينه وبين ما يرغب فيه؛ يحاول بكل الطرق والوسائل، بيديه وقدميه، بل وحتى بالدعاء، لكن ذلك الحائط لا يتحرك إنشًا واحدًا ولا يتزحزح.

وحينها يدرك أمرًا مريرًا؛ أمرًا يحرق حلقه، ويثقل صدره، ويضيف أطنانًا فوق كتفيه وقلبه، ويجعل عقله يتوه في عتمة المجهول. ينظر حوله، فيرى الجميع يسيرون طبيعيًّا، يتجاوزون تحدياتهم ويتقدمون، بينما هو قد تخلف عنهم. عندها يهمس لنفسه بالحقيقة المؤلمة: لقد فشل.

فشل في تخطي ما كان يحارب لأجله، فشل في أمرٍ استطاعه الآخرون ولم يستطعه هو. وفي خضمِّ هذه الفوضى التي تدفعه إلى الرغبة في الهروب، لا يتردد في ذهنه إلا سؤال بسيط: من بين كل الناس، لماذا أنا الذي فشلت؟

 لماذا تحديدًا أنا؟

 هل هذه هي النهاية؟

أسئلة تضع المرء في قفصٍ وهو حرّ، تقيده بسلاسل خفية، ومهما بحث فلن يجد الإجابة التي تشفي فضوله وتروي ظمأه إلى الفهم. 

ثم يسأل نفسه مرة أخرى: هل الفشل هو الطريق الأخير، والحكم النهائي بالاستسلام والتخلي عما لم نستطع تجاوزه؟

 أم أنه جزء بسيط من الرحلة، يجدد الفرص، ويجعلنا نكتشف ذواتنا، ونعرف لماذا لم نكن نحن المنتصرين هذه المرة؟

إنه شعور بالخيبة حين يدرك المرء أن ما عجز عن تجاوزه هو ذلك الحائط.

 خيبةٌ تقيد ركبتيه حتى تجعله يجلس راكعًا خاسرًا. وكلما نظر إلى ذلك الحائط رآه وسمًا للعار.

وربما كان الوقوف أمامه أسهل خيار للخاسر، لكن ماذا لو التفت حوله وقرر سلوك طريق آخر؟

 طريقًا غريبًا، يشك فيه وفي نفسه، وربما في إيمانه بقراره، لكن هل في المحاولة ضرر؟

ربما نعم، وربما لا.

إن ما يجعل رحلتنا في هذه الحياة غريبة هو تلك القرارات التي قد تغيّر مصائرنا.

لحظة واحدة كفيلة بقلب الموازين؛

إما أن ترفعنا إلى قمم الجبال، أو تهوي بنا إلى قعر الحسرة.

 وفي ظل هذه الظروف يظل الخوف من الفشل مرضًا لا علاج له إلا بيد صاحبه.

فلو تقبلنا خطوة فشلنا، واستسلمنا لذلك العجز، فكم من فرصة سنخسر بعدد النجوم؟

 وربما لو نفضنا الغبار عن أنفسنا، وأجبرناها على الاستمرار في طريق جديد، لاكتشفنا أن ما رأيناه يومًا فشلًا لم يكن مقدرًا لنا من البداية.

 ولهذا أكرر السؤال مرة أخرى:

هل الفشل هو الطريق الأخير والحكم النهائي بالاستسلام والتخلي عما لم نستطع تجاوزه، أم هو جزء من الرحلة يمنحنا فرصة أخرى لنفهم أنفسنا، ونعرف موضعنا، ونسعى من جديد نحو الانتصار؟

 

 فاطمة محمد روبله محمد