في بيتٍ متواضع من الطين، كانت سعيدة، المرأة الصابرة ذات السبعة أولاد، تحمل عبء الحياة على كتفيها.

تمضي كل صباح إلى سوق المدينة، وبين يديها لفائف الأقمشة التي صارت زادها وزاد أبنائها.

 أمّا الزوج فكان رجل دين متصوفًا، آثر العزلة والعبادة على السعي والعمل، فوقع عبء النفقة ومسؤولية الحياة كاملةً على عاتق الأم.

 وفي مساءٍ دافئ، بعد العصر وقبيل المغرب من يوم 20 يونيو 1983م، أشرقت البشارة على بيت حسن بقدوم مولوده الجديد، فارح، الذي حمل منذ نعومة أظفاره ملامح قوة وصبر سترافقه العمر كلّه.

 نشأ في كنف أمٍّ صابرة، ربت قلبه قبل عقله، فأورثته قيم الإيمان والجد والاجتهاد.

 طفولته كانت بساطًا من القماش، ينام فوق ما تبيعه أمه ويستيقظ بين أصوات الباعة والدكاكين المجاورة.

هناك، وسط السوق، تفتحت عيناه على معنى الكفاح، فصار يعرف منذ الصغر أن للحياة وجوهًا شتى، وأن الصبر مفتاح كل الأبواب.

 وقد عُرف بين أقرانه بالذكاء الحاد، وحبّ القرآن الكريم الذي لازمه حتى أتمّ حفظه وتلاوته، فتشرّبت روحه نورًا وإيمانًا.

 أما والده، رغم انقطاعه عن مشاغل الدنيا، فقد كان له دور بارز في أن يأخذ بيده إلى المسجد، حيث نهل فارح من العلماء مبادئ العلوم العربية والإسلامية.

ومع الأيام، صارت المعرفة جزءًا من تكوينه، حتى انتقل إلى مدرسة التوحيد في أواخر الثمانينيات، وهناك لمس لأول مرة يد المعلّم الذي لا يكتفي بالتعليم، بل يشعل في قلوب تلامذته حبّ التفوق.

لكن سنوات الهدوء لم تدم، فاندلعت شرارة الحرب الأهلية مطلع التسعينيات، وانقطع شريان التعليم. هرع الآباء لحماية أبنائهم، ودفعت عمته – رحمها الله – بيده نحو المدارس الحكومية.

وحين بلغ الخبر والده، جاء مسرعًا يرتجف خوفًا على مستقبل ابنه، وهو يقول: «ابني سيبقى في مدرسة التوحيد، ليكون عالمًا بأمور دينه ودنياه».

ولم يطل الوقت حتى عاد الطفل إلى مقاعد الدراسة، لكن هذه المرة في نظام مختلف، مع أساتذة أكفاء ومدير حكيم اسمه مختار محمد عمر.

 ذلك الرجل، رحمه الله، كان قدوةً ونبراسًا، بنى لبنات التعليم الأول، وأرسى دعائم التفاني والإخلاص.

على يديه تخرجت الدفعة الأولى التي واصلت طريقها في المراحل الإعدادية والثانوية، وكان فارح أحد ثمار ذلك العطاء.

ثم جاءت الرحلات التي صنعت التحولات الكبرى في مسيرته: الأولى مع أمّه التي حملت أحلامه معها إلى أديس أبابا لاستخراج جواز السفر، والثانية التي أقلّته إلى جيبوتي لمتابعة الإعدادية والثانوية، قبل أن يشد الرحال إلى السودان، حيث فتحت له جامعة إفريقيا العالمية أبواب المعرفة والثقافة، ومنحته تجربة أكاديمية غنية ورؤية أوسع للحياة. خرج فارح من أروقة الجامعة محمّلًا بزاده العلمي والثقافي، يحمل في داخله يقينًا أن الغاية من العلم ليست في الشهادة وحدها، بل في أن يتحول إلى نور يهدي القلوب، وسراج يبدد ظلمات الجهل.

عاد إلى وطنه، يحمل بين ضلوعه حنينًا إلى طفولته، وإلى تضحية أمٍّ عظيمة سقت أبناءها بعرق جبينها.

ظل وفيًّا لذكراها، مستحضرًا دعاءها الصادق في كل خطوة يخطوها. انخرط في ميادين التعليم والدعوة والعمل المجتمعي، مؤمنًا أن النهضة لا تأتي إلا بالعلم، وأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها.

 ومع مرور السنين، صار شاهدًا على تحولات مجتمعه، مشاركًا في بناء وعيه، ومؤمنًا أن الكلمة الصادقة تصنع أجيالًا، وأن التضحية سبيل إلى الخلود في قلوب الناس.

 لقد كان ابن السوق والطين والكتب، لكنه حمل رسالة أوسع من حدود المكان؛ رسالة قوامها أن البدايات المتواضعة قد تنحت رجالًا، وأن الصبر يصنع مجدًا لا يزول.

 وهكذا تبقى الرحلة مفتوحة، لم تنتهِ بعد، بل ما زالت تسطر فصولها القادمة… بين كتاب يُقرأ، وتلميذ يُنصت، ووطنٍ ينتظر المزيد من البذل والعطاء.

 

عبد الرزاق حسن طبر