هكذا كانت الصداقة في أسمى معانيها؛ عهدًا صادقًا لا تحكمه المصالح ولا تغيّره الأيام.
فإذا انتهت المصلحة انقطعت العلاقة، وكأن الصداقة لم تكن يومًا.
فأجاب الابن بثقة: لدي أربعون صديقًا.
فقال الأب مبتسمًا: أما أنا، وبعد هذا العمر الطويل، فلا أملك إلا صديقًا ونصف صديق.
تعجب الأمير من هذا القول وسأل التاجر عن معناه.
فقال التاجر: ستعرف يا مولاي معنى الصديق ونصف الصديق.
وأشار بأن يُعلن في الناس أن التاجر قد حُكم عليه بالإعدام لارتكابه جرمًا عظيمًا.
وفي يوم التنفيذ اجتمع الناس، ووقف التاجر ينتظر مصيره.
فتقدم رجل إلى الأمير وقال: يا مولاي، أنا مستعد لدفع أي مبلغ تطلبه مقابل إطلاق سراح هذا التاجر.
قال الأمير: ربما كان جرمه كبيرًا. قال الرجل: إذن أتنازل عن نصف أملاكي.
فقال الأمير: حتى لو بذلت كل مالك فلن يكفي.
عندها التفت الرجل إلى التاجر وقال: لقد بذلت مالي كله لأفديك، لكن الأمير لم يقبل.
فقال الأمير: سنعدمك بدل التاجر إذن.
فقال الرجل بثبات: أعدموني، فأنا المذنب، وليذهب التاجر إلى أهله وعياله.
عندها التفت التاجر إلى الأمير وقال مبتسمًا: أرأيت يا مولاي الفرق بين الصديق ونصف الصديق؟
فمن يفديك بماله فهو نصف صديق، أما من يفديك بنفسه فهو الصديق الحقيقي.
وهنا يبقى السؤال لكل واحد منا: كم صديقًا حقيقيًا نملك في حياتنا؟

