في الزمن الماضي كانت الصداقة تقوم على الوفاء والإخلاص، وكان الصديقان يتعاهدان على أن يبقيا معًا مهما تبدلت الظروف وتعاقبت الأيام.

 وقد يبلغ من عمق تلك الصداقة أن يوصي أحدهما صاحبه بأبنائه إذا أدركته الوفاة، فيرعاهم ويقوم على شؤونهم كأنهم أبناؤه.

هكذا كانت الصداقة في أسمى معانيها؛ عهدًا صادقًا لا تحكمه المصالح ولا تغيّره الأيام.

أما في زماننا هذا فقد تغيّر مفهوم الصداقة عند كثير من الناس، فأصبحت في بعض الأحيان مرتبطة بالمصلحة والمنفعة.

فإذا انتهت المصلحة انقطعت العلاقة، وكأن الصداقة لم تكن يومًا.

ومع ذلك يبقى الصديق الحقيقي نادرًا لكنه يظهر عند الشدائد، فالصديق يُعرَف وقت الضيق لا في أوقات الرخاء.

وقد جاء في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن العاقل إذا أراد اصطفاء الأصدقاء اختبر أحوالهم قبل مؤاخاتهم، لأن الأفعال والمواقف تكشف معادن الرجال وتدل على مكنونات النفوس. ويُروى أن أميرًا كان يتجول يومًا في السوق، فسمع تاجرًا يسأل ابنه: كم صديقًا لديك؟

 فأجاب الابن بثقة: لدي أربعون صديقًا.

 فقال الأب مبتسمًا: أما أنا، وبعد هذا العمر الطويل، فلا أملك إلا صديقًا ونصف صديق.

 تعجب الأمير من هذا القول وسأل التاجر عن معناه.

 فقال التاجر: ستعرف يا مولاي معنى الصديق ونصف الصديق.

 وأشار بأن يُعلن في الناس أن التاجر قد حُكم عليه بالإعدام لارتكابه جرمًا عظيمًا.

 وفي يوم التنفيذ اجتمع الناس، ووقف التاجر ينتظر مصيره.

 فتقدم رجل إلى الأمير وقال: يا مولاي، أنا مستعد لدفع أي مبلغ تطلبه مقابل إطلاق سراح هذا التاجر.

قال الأمير: ربما كان جرمه كبيرًا. قال الرجل: إذن أتنازل عن نصف أملاكي.

 فقال الأمير: حتى لو بذلت كل مالك فلن يكفي.

عندها التفت الرجل إلى التاجر وقال: لقد بذلت مالي كله لأفديك، لكن الأمير لم يقبل.

 هل وفيت لك يا صديقي؟

فأجابه التاجر: نعم، لقد وفيت.

وبعد لحظات جاء رجل آخر مسرعًا، ووقف بين يدي الأمير وقال: أيها الأمير، إن التاجر بريء، وأنا المذنب الحقيقي، وأنا من يجب أن يُعدم.

فقال الأمير: سنعدمك بدل التاجر إذن.

فقال الرجل بثبات: أعدموني، فأنا المذنب، وليذهب التاجر إلى أهله وعياله.

 عندها التفت التاجر إلى الأمير وقال مبتسمًا: أرأيت يا مولاي الفرق بين الصديق ونصف الصديق؟

فمن يفديك بماله فهو نصف صديق، أما من يفديك بنفسه فهو الصديق الحقيقي.

وهنا يبقى السؤال لكل واحد منا: كم صديقًا حقيقيًا نملك في حياتنا؟

 

عبد الرزاق حسن طبر