نادراً ما تحظى المضائق البحرية بالاهتمام ما دامت السفن تعبرها بلا انقطاع. ففي أزمنة الاستقرار، تبدو خطوط الملاحة وكأنها جزء طبيعي من حركة العالم، تعمل خارج السياسة وتحت عتبة الوعي العام.

 لكن ما إن تتعرض هذه الممرات للاهتزاز حتى تتكشف حقيقة مختلفة: الجغرافيا لا تختفي، بل تنتظر لحظة عودتها إلى مركز الأحداث.

هذا ما يشهده البحر الأحمر اليوم. فالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط لم تغيّر توازنات إقليمية فحسب، بل أعادت طرح سؤال أقدم يتعلق بكيفية حماية شرايين الاقتصاد العالمي في زمن تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.

 ومع تصاعد المخاطر حول باب المندب، لم يعد الممر مجرد قناة عبور، بل أصبح مؤشرًا على درجة استقرار النظام الدولي ذاته.

وعند هذه النقطة تحديدًا تبرز جيبوتي.

 دولة صغيرة من حيث المساحة والموارد، لكنها تحتل موقعًا يجعلها أقرب إلى مفصل جغرافي يربط بين صراعات السياسة وتدفقات التجارة.

 فالقوة هنا لا تنبع من الحجم، بل من القدرة على إدارة الموقع عندما يصبح العالم أكثر حساسية للجغرافيا.

اعتمدت جيبوتي خلال العقود الماضية على اقتصاد العبور بوصفه أساسًا لنموها.

فموانئها تمثل المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا، كما تؤدي دورًا لوجستيًا يتجاوز الإقليم ليشمل التجارة العالمية والانتشار العسكري الدولي.

 وقد منح هذا الدور البلاد موردًا اقتصاديًا مستقرًا ومكانة سياسية تفوق وزنها التقليدي. غير أن هذه المركزية تحمل تناقضًا جوهريًا.

فالدولة التي تستفيد من انسيابية التجارة تصبح في الوقت ذاته رهينة لها.

 وأي اضطراب في البحر الأحمر — حتى وإن وقع بعيدًا عن حدودها — ينعكس مباشرة على اقتصادها الداخلي.

وهكذا يتجسد أحد دروس العولمة الأساسية: الترابط يمنح النفوذ بقدر ما يخلق التعرض للمخاطر.

لم تسعَ جيبوتي إلى الاحتماء بتحالف أحادي، كما لم تختَر الانسحاب من التنافس الدولي.

بدل ذلك، طورت صيغة توازن دقيقة يمكن وصفها بالحياد النشط؛ سياسة تقوم على إدارة حضور القوى الكبرى بدل مقاومته.

إن التواجد المتزامن للقوات الأميركية والفرنسية والصينية ليس مجرد انعكاس لموقع استراتيجي، بل يمثل هندسة أمنية غير معلنة.

فكل قوة موجودة تضيف سببًا إضافيًا للحفاظ على الاستقرار، ما يحول الدولة إلى مساحة تلاقي مصالح أكثر منها ساحة تنافس مباشر.

 بهذا المعنى، يصبح الأمن نتيجة للتشابك، لا للاصطفاف. لا تُفهم أهمية باب المندب بمعزل عن مضيق هرمز.

 فالممران يشكلان معًا سلسلة واحدة تتحكم في تدفق الطاقة العالمية.

وإذا كان هرمز يمثل بوابة الخروج، فإن باب المندب يمثل معبر الوصول. 

هذه العلاقة تجعل أي اضطراب محلي ذا أثر عالمي فوري.

فارتفاع المخاطر البحرية لا يغير مسارات السفن فحسب، بل يعيد تسعير الاقتصاد العالمي بأكمله.

 ولهذا لم تعد حماية المضائق قضية أمنية إقليمية، بل جزءًا من إدارة الاستقرار الاقتصادي الدولي.

 في هذا السياق، تحولت جيبوتي إلى ركيزة تشغيلية لعمليات الأمن البحري متعددة الجنسيات، حيث أصبحت بنيتها المينائية جزءًا من منظومة غير مرئية تحافظ على استمرارية العولمة.

رغم اعتمادها على البيئة الدولية، لا تستمد جيبوتي أهميتها من الجغرافيا وحدها.

فهناك عناصر أقل وضوحًا أسهمت في تعزيز قدرتها على الصمود.

 أولها خبرة دبلوماسية تراكمت عبر عقود من إدارة علاقات مع أطراف متنافسة، ما أفرز نمطًا براغماتيًا قائمًا على تحقيق التوازن دون التورط في الاستقطاب.

ثانيها محاولة تدريجية لتنويع الاقتصاد، عبر مشاريع صناعية مرتبطة بالطاقة واستثمارات في البنية الرقمية، إدراكًا بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين يتشكل بقدر تدفق البيانات كما يتشكل بحركة السفن.

أما ثالثها فهو الاستقرار الداخلي النسبي، الذي أصبح في بيئة إقليمية مضطربة موردًا استراتيجيًا بحد ذاته، إذ يمنح الشركاء الدوليين عنصر الثقة والاستمرارية.

غير أن نجاح هذا النموذج يطرح معضلة طويلة الأمد. فكلما اشتد التنافس بين القوى الكبرى، تقلص هامش التوازن المتاح للدول الصغيرة.

والاعتماد على مظلات أمنية خارجية قد يتحول من مصدر استقرار إلى مصدر ضغط.

ولهذا تتجه الاستراتيجية الجيبوتية تدريجيًا نحو تعزيز الصمود الداخلي: حماية البنية التحتية، تطوير الأمن السيبراني، وضمان استمرارية الخدمات الاقتصادية.

فالدفاع في عالم مترابط لم يعد يبدأ عند الحدود، بل عند قدرة الدولة على الاستمرار أثناء الأزمات.

 تستدعي المقارنة مع سنغافورة نفسها تلقائيًا، لكن التشابه الجغرافي لا يعني تطابق المسار.

 فقد بنت سنغافورة استقلالها عبر تنويع اقتصادي عميق، بينما لا تزال جيبوتي في مرحلة انتقالية تعتمد جزئيًا على البيئة الأمنية الدولية.

 التحدي الحقيقي ليس تقليد نموذج ناجح، بل تطوير نموذج خاص ينتقل بالدولة من استضافة القوة العالمية إلى التأثير في شروط عملها.

مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، يتضح أن عصر تجاهل الجغرافيا يقترب من نهايته.

فالممرات البحرية تعود تدريجيًا إلى موقعها التاريخي كمفاتيح للاستقرار العالمي.

 لا تستطيع جيبوتي تجنب هذه التحولات، لكنها نجحت حتى الآن في إدارتها عبر مزيج من البراغماتية والمرونة.

 وبينما تعبر السفن باب المندب حاملة الطاقة والسلع، تعبر معه أيضًا معادلة دقيقة بين الاعتماد والنفوذ.

وكما لا ينتبه العالم إلى المضائق إلا عندما تتعطل، قد يكتشف أيضًا أن استقرارها يعتمد أحيانًا على دول صغيرة أتقنت فن تحويل الجغرافيا إلى سياسة طويلة المدى.

 

بقلم: نجيب علي طاهر