تُعدّ كلمة المهارات واسعة الدلالة، غير أنّ كلمة التربية أوسع وأعمق أثرًا، لأنها تمسّ بناء الإنسان وصياغة شخصيته. وعند الحديث عن مهارات التربية، فإن ترتيب الأولويات أمرٌ بالغ الأهمية؛ إذ ليست كل المهارات في مستوى واحد من التأثير.

 وإذا تأملنا هذه المهارات، وجدنا أنّ هناك مهارة تستحق أن تكون في المرتبة الأولى، مهما بلغ عدد المهارات الأخرى، وهي:

مهارة الاستماع.

 فالاستماع ليس مجرد عملية سمعٍ عابرة، بل هو مفتاح الحوار، وبوابة الفهم، وأساس العلاقة السليمة بين الآباء والأبناء.

 فإذا أحسنّا الاستماع، أحسنّا الحوار، وإذا أحسنّا الحوار، أحسنّا التربية.

 أما إذا ضعف الاستماع والحوار، فإن التربية تكون ناقصة أو سيئة النتائج.

ومن اللافت أن حاسة السمع هي أولى الحواس التي تعمل عند الإنسان؛

فالطفل يبدأ في استخدام هذه الحاسة وهو ما يزال في بطن أمه.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى تأثر الجنين بما يسمعه، سواء من أصوات أو تلاوة، مما يدل على عمق أثر السمع في تكوين الإنسان منذ بداياته الأولى.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل نحن نستمع إلى أبنائنا؟

لا تتعجلوا في الإجابة، فالإجابة الحقيقية لا تأتي من الآباء، بل من الأبناء أنفسهم. اسأل ابنك أو ابنتك: 

هل أنا أستمع إليك؟

وستجد الجواب الصادق.

إن الطفل الذي لا يجد من يصغي إليه داخل بيته، سيبحث عمّن يستمع إليه خارجه، وهنا تبدأ المشكلة.

 فلا ينبغي للآباء أن يشتكوا من تأثيرات الإنترنت أو أصدقاء السوء، قبل أن يسألوا أنفسهم:

هل أدّينا نحن دورنا في الاستماع لأبنائنا؟

 وللاستماع مراتب ثلاث: السماع:

 وهو مجرد وصول الصوت إلى الأذن، وهذه مرحلة يشترك فيها الجميع.

الاستماع:

 وهو الانتباه والتفاعل مع ما يُقال، كأن تسمع خبرًا فتسأل وتستفسر.

الإنصات: وهو أعمق المراحل، حيث يتأثر القلب، ويتخذ الإنسان قرارًا بناءً على ما سمع.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا:

في أي مرحلة نحن مع أبنائنا؟

هل نحن مجرد سامعين، أم مستمعين، أم منصتين؟

 إن السمع قناة رئيسة لاكتساب المعرفة، بل إن ما يتلقاه الإنسان عبر السمع يفوق ما يتلقاه عبر البصر من حيث الأثر والتكرار.

لذلك كانت العناية به ضرورة تربوية لا غنى عنها.

وبعد الاستماع تأتي المهارة الثانية:

الحوار. فكيف نحاور أبناءنا؟

ومتى نحاورهم؟

 وبأي موضوعات؟

هل نتحدث معهم فيما نهتم نحن به، أم فيما يهتمون هم به؟

 إن من الأخطاء الشائعة أن يطرح الابن سؤالًا، فيجيبه الأب بثقة، دون تحقق، ثم يذهب الابن إلى الإنترنت فيجد إجابة مختلفة، فيفقد الثقة في والده.

 لذلك لا بأس أن يقول المربي: «لا أعلم، دعنا نبحث معًا»، فذلك يعزز الثقة بدل أن يهدمها.

وفي خضم هذا كله، يبقى هناك شيء لا يستطيع أحد أن يقدّمه للأبناء مثل الوالدين، وهو: الحب الصادق.

فالحب هو الغذاء النفسي الذي ينمو به الطفل، وهو الرابط الذي يجعل النصيحة مقبولة، والتوجيه مؤثرًا.

ومن الجميل أن يحرص الآباء على غرس القيم في نفوس أبنائهم بتكرار عبارات بسيطة لكنها عميقة، مثل: نم مظلومًا لا ظالمًا.

أهم شيء الصلاة.

أنا راقٍ بأخلاقي.

نحن مخلوقون للعبادة. 

حلاوتي بحجابي فهذه الكلمات، مع التكرار، تتحول إلى مبادئ راسخة في وجدان الأبناء.

 وخلاصة القول:

إن التربية الناجحة تبدأ من الأذن قبل اللسان، ومن الاستماع قبل التوجيه.

فإذا أردنا جيلًا واعيًا ومتزنًا، فلنحسن الاستماع إليه أولًا، ثم نحاوره بحب ووعي، لنبني علاقة تقوم على الثقة، وتنمو في بيئة من الفهم والاحترام.

 

عبد الرزاق حسن طبر