قد يخيَّل لبعض المربين أن الأطفال يخطئون كثيرًا، بينما الحقيقة أن أخطاءهم أقل مما نتصور؛ بل يمكن القول – بصورة انطباعية – إن من بين كل مئة سلوك نعدّه خطأ، لا يكون الخطأ الحقيقي إلا واحدًا، أما البقية فهي سلوكيات طبيعية أو مفهومة في سياق نمو الطفل.

 لذلك، قبل أن نحاسب أبناءنا، علينا أولًا أن نميز بين “الخطأ” و”غير الخطأ”. ولكي نحسن هذا التمييز، يمكن الوقوف على مجموعة من المعايير المهمة:

أولًا: طبيعة النمو هناك سلوكيات نراها أخطاء، لكنها في الحقيقة جزء أساسي من نمو الطفل.

فالعناد مثلًا في عمر السنة والنصف ليس انحرافًا، بل علامة صحية تدل على بداية تكوّن الشخصية والاستقلالية.

 إصرار الطفل على الأكل بنفسه أو ارتداء ملابسه، وقوله “لا” لوالديه، كلها مؤشرات طبيعية وليست أخطاء. وكذلك الحركة الكثيرة، فهي ضرورية لنمو الحواس وتوازنها، بينما تقييد الطفل بالأجهزة أو إجباره على السكون قد يضر بنموه.

ومن مظاهر النمو أيضًا مرحلة “التملك”، حيث لا يحب الطفل مشاركة أغراضه، وهذا أمر طبيعي، على أن يُعلَّم العطاء والمشاركة تدريجيًا عند بلوغه سن التمييز.

إدراك المربي لخصائص كل مرحلة عمرية يجعله أكثر وعيًا في الحكم على سلوك الطفل.

 ثانيًا: حساسيات الآباء والأمهات كثير مما نعدّه خطأ عند الأبناء يكون في حقيقته انعكاسًا لحساسياتنا نحن.

 فالتوتر والضغوط اليومية تجعلنا نبحث عن الهدوء، فنضيق بحركة الطفل الطبيعية، ونفسّرها على أنها إزعاج أو سوء سلوك.

وكذلك الصورة الذهنية التي نحملها عن “الطفل المثالي”، فإذا لم يتطابق الطفل مع هذه الصورة، صنّفناه مخطئًا.

والسؤال هنا: هل نعدل الطفل ليتوافق مع صورتنا، أم نعدل صورتنا لتفهم طبيعته؟

كما أن الخوف من نظرة المجتمع قد يدفعنا لاعتبار سلوك طبيعي خطأً، فقط لأنه لا يعجب الآخرين.

بينما المنهج الصحيح أن ننظر إلى السلوك ذاته: هل هو طبيعي أم سلبي؟

 وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة حين بكى طفل في المسجد، فلم يوبّخ أمه، بل راعى حالها وخفف الصلاة رحمة بها.

ثالثًا: السلوك بوصفه إشباعًا لحاجة كل سلوك يصدر من الطفل هو محاولة لإشباع حاجة داخلية، حتى وإن كان بأسلوب خاطئ.

 فقد يكذب الطفل لجذب الانتباه، أو يدّعي أمورًا ليشعر بالقيمة والاهتمام.

 وهنا لا ينبغي أن نركز فقط على تصحيح السلوك، بل على فهم الحاجة الكامنة وراءه، ثم إشباعها بطريقة صحيحة.

وقد تجلّى هذا المعنى في تعامل النبي ﷺ مع الأعرابي الذي أخطأ في المسجد، فلم يعنّفه، بل تركه حتى انتهى، ثم علّمه بلطف، فكان لذلك أعظم الأثر في نفسه.

 رابعًا: فهم سلوك المراهقين في مرحلة المراهقة، قد يظهر سلوك يبدو غريبًا، كطريقة اللباس أو قصة الشعر، لكنه في الغالب تعبير عن حاجة إلى الانتماء والقبول.

 فالمراهق يبحث عمّن يشبهه أو يعجب به، وقد يقلد شخصيات مشهورة ليحقق هذا الشعور.

والتصادم معه في هذه المرحلة قد يزيده تمردًا، بينما الأفضل هو بناء علاقة قوية معه، وتوجيهه نحو قدوات إيجابية، ليعيد تشكيل ذوقه واختياراته بشكل تلقائي.

 خامسًا: أثر ردود أفعال المربين أحيانًا لا يكون الخطأ في سلوك الطفل، بل في ردة فعل المربي.

فالعنف يولّد عنفًا، والقسوة تدفع الطفل إلى التمرد أو الكذب أو الانطواء.

 لذلك، فإن أسلوب التعامل مع الخطأ لا يقل أهمية عن الخطأ نفسه، بل قد يكون هو العامل الحاسم في تكوين سلوك الطفل مستقبلاً.

خلاصة القول التربية ليست في ملاحقة الأخطاء، بل في فهمها. وليست في كسر سلوك الطفل، بل في توجيهه.

 عندما ندرك طبيعة النمو، ونضبط حساسياتنا، ونفهم حاجات أبنائنا، ونتحكم في ردود أفعالنا، ننتقل من مجرد “مربين” إلى “موجهين” يصنعون شخصية متوازنة وقوية.

 

 عبد الرزاق حسن طبر