كيف نبحث الجديد؟ منهجية البحث في الوطن العربي تختلف عن الآخر في عدة نقاط أهمها: أننا نعطي الأولوية عند البحث في تعدد المراجع، والكم الذي سنسجله في صفحة المصادر، والاعتماد على معلومات ماضية قد لا تتماشى مع الواقع الذي نعيش فيه، بينما الآخرون يعطون الأولوية في تسجيل أفكارهم الخاصة والجديدة، وما يرون أنه صح من خلال تأقلم وقراءة واقعهم الذي يتغير بسرعة.

ليست هناك مصادر تخلو من الخطأ إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فغيرهما اجتهادات ونظريات بشرية تحمل الصواب والخطأ، وينبغي أن لا نعطيها عند البحث أكثر مما تستحق.

ويعجبني الشيخ محمد قطب رحمه الله في كتبه أنه في منهجيته عند التأليف لا يعتمد غير الكتاب والسنة، وكذلك معظم المفكرون.

 إضافة إلى ذلك فإن المراجع السابقة تمت كتابتها من خلال قراءة واقع وبيئة خاصة، في فترة زمنية خاصة، ومن المعروف أن أي واقع يتطور ويتغير في كل فترة زمنية قصيرة وبسرعة مدهشة، وتتغير معه الأفكار والنظريات.

عند مناقشة أي رسالة في الدراسات العليا في العالم العربي فإن لجنة المناقشة قد لا تهب الأفكار التي سجلتها في الرسالة، والتي هي من استخلاص أفكارك وقراءتك للواقع، وفهمك لأبعاد المشكلة المبحوثة، بقدر ما تتوقف هي على تنوع وتعدد المصادر في آخر الصفحة، إلى درجة تشعر أنك مسير لها ولست مخيرا أمامها.

ومن هنا نقتل الإبداع من حيث لا ندري بدل أن نطلق مبادرات تشجيعية ونهيئ له الأسباب.

أمامي الآن على يسار الطاولة كتاب «القيادة في الأزمات» لداني كوكس وزميله، وكتاب «التعامل مع من لا تطيقهم» ل Rick Brinkman وزميله، وكتاب «الإدارة بضمير» لفرانك سنبيرغ، وكتاب «المدير المفوه» لجران فيلتوجود، وكتاب «أنظمة التسويق الجديدة» لفريدريك نويل... وغيرها من الكتب والتي هي في الأصل عبارة عن بحوث قام بها هؤلاء الخبراء والباحثون.

وعلى يميني في نفس الطاولة رسالتي في الدكتوراه. في الكتب المذكورة لا توجد فيها صفحة اسمها صفحة المراجع، فكلها مجرد أفكار بحتة لأصحابها، استوفوها من خلال الخبرة والتجربة.

بينما رسالتي احتوت 240 مرجعا تم تسجيلها في صفحات عدة، ولعلك مع الأسف تجدني مفتخرا بذلك.

هؤلاء أتوا بشيء جديد، وأنا أتيت بأسطوانة قديمة لكنها بطبعة جديدة، منقحة ومزيدة ومغربلة كما يقولون.

وهذا هو الفرق بيننا وبينهم في منهجية البحث.

 لم أرى من عندنا طالبا في الدراسات العليا يكتب رسالته من خلال أفكاره وتجربته البحتة، فالكل مشغول بجمع أكبر عدد من المصادر، حتى ولو كلف به الأمر السفر إلى الخارج، وهم معذورون في ذلك، لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك فستوضع رسالتهم يوم النقاش تحت رحمة الجرح والتعديل، وستستعرض عليهم اللجنة عضلاتها بكل قوة.

 أكتب أخي الباحث كل ما تراه أنه صح من خلال الخبرة والتجربة والتفكير، ولا تبالي مهما استغربك الآخرون، بشرط أن لا تتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنحن لسنا مخيرين أمامهما، وحاول أن تكتب بعد تفكير طويل أكثر ما تحاول أن تكتبه بعد قراءة كثيرة، واعلم أن الأفكار أو النظريات لا تجد قاعدة بين الجمهور إلا بعد مرور فترة زمنية قد تطول أحيانا أو تقصر.

 

د. عثمان فريد، أستاذ بالجامعة