هذا السؤال ليس عابراً، بل هو من أهم الأسئلة في ميدان التربية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

فالتربية في جوهرها ليست أوامر ونواهي، ولا قواعد جامدة، بل هي علاقة إنسانية حيّة.

 وإذا اختلّت هذه العلاقة، ودخلها الصراع والشدّ والتمرد، فقدت التربية معناها الحقيقي، مهما حاول المربي أن يوجّه أو يصلح.

 إن العلاقة بين المربي وأبنائه هي الأساس الذي تُبنى عليه كل القيم والسلوكيات.

 وقد دلّنا القرآن الكريم على هذه الحقيقة العظيمة في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

فالنبي ﷺ، وهو المؤيد بالوحي، لم يكن ليجمع القلوب حوله لولا رحمته ولينه.

 فكيف بنا نحن؟

 من هنا ندرك أن نجاح التربية يبدأ من بناء علاقة سليمة، قائمة على الرحمة والقبول.

لكن قبل أن نبني، لا بد أن نُزيل ما يفسد هذه العلاقة، فـ»التخلية قبل التحلية».

 علينا أن نتأمل: هل علاقتنا بأبنائنا يسودها الحب والألفة، أم يغلب عليها الصراع وكثرة الأوامر والنواهي؟

إن كانت الثانية، فهذا مؤشر على وجود شوائب تحتاج إلى إزالة.

 أولاً: الاحترام... أساس العلاقة أهم سمة في بناء العلاقة التربوية هي الاحترام، وهو ليس بالأمر السهل كما يظن البعض.

فالاحترام الحقيقي يعني أن نتقبل أبناءنا كما هم، باختلافاتهم وطبائعهم وميولهم، لا كما نريد نحن أن يكونوا.

ومن أهم مهارات الاحترام: فصل السلوك عن الشخص. فإذا أخطأ الابن، لا نعمم الخطأ عليه ولا نرفضه كشخص، بل نرفض السلوك فقط.

 وهذا المعنى يتجلى في قول نبي الله لوط عليه السلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾، أي أكره عملكم لا أشخاصكم.

كما أن احترام الطفل يعني معاملته وفق مرحلته العمرية، فهو ليس نسخة مصغرة من الكبار.

له حاجاته، وحركته، ولعبه، وعفويته.

 ومن أرقى صور الاحترام أن نعامل أبناءنا كما يحبون أن يُعاملوا، لا كما نحب نحن.

وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى في مواقف كثيرة، ومن أشهرها يوم فتح مكة حين قال: «من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن»، مع أن النبي ﷺ لا يحب الفخر، لكنه راعى طبيعة أبي سفيان الذي كان يحب ذلك، فتعامل معه بما يناسبه.

وهذا قمة الرقي في بناء العلاقات. ثانياً: الإعجاب... روح العلاقة السمة الثانية التي تُحيي العلاقة وتُنمّيها هي الإعجاب، وهو ذو جانبين:

 الأول: أن ينال المربي إعجاب أبنائه، وهذا يتحقق بالابتعاد عن الأساليب السلبية، والتحلي بالأخلاق الراقية في التعامل معهم.

 الثاني: أن يُعبّر المربي عن إعجابه بأبنائه باستمرار.

 فالأبناء بحاجة إلى أن يسمعوا كلمات التقدير، وأن يشعروا بأنهم نعمة في حياة والديهم، لا عبء يثقل كاهلهم.

من الجميل أن نقول لهم: أنتم سبب سعادتنا، وبوجودكم صار لحياتنا معنى. 

كما ينبغي أن نُظهر إعجابنا بسلوكياتهم، ومحاولاتهم، وإنجازاتهم، حتى الصغيرة منها.

نبحث عن الجوانب المضيئة فيهم، ونُبرزها. 

فالنبي ﷺ كان يُشجّع أصحابه ويُظهر إعجابه بهم، حتى أصبح كل واحد منهم متميزاً بصفة يعرف بها.

خلاصة القول إن بناء السعادة داخل البيت لا يحتاج إلى وسائل معقدة، بل يبدأ من علاقة صادقة قائمة على الاحترام والإعجاب.

 هاتان السمتان كفيلتان بحل كثير من المشكلات، وتعديل السلوكيات السلبية، لأن العلاقة الإيجابية هي أعظم وسيلة للتأثير في الأبناء.

فإذا صلحت العلاقة، صلحت التربية، وإذا فسدت، ضاع كل جهد مهما كان عظيماً.

 

عبد الرزاق حسن طبر