من أكبر ما يهدد العلاقة بين الآباء والأمهات وأبنائهم غيابُ مهارة الإنصات.

 فحين لا يجد الأبناء آذانًا صاغية، يتراجعون عن البوح، ويغلقون أبواب قلوبهم، وتبقى أسرارهم حبيسة صدورهم.

لذلك، فإن الخطوة الأولى لبناء جسر الثقة هي أن نتعلم كيف نصغي. يمكن للوالدين أن يخصصا وقتًا يوميًا بسيطًا لكل ابن، ولو كان من دقيقة إلى ثلاث دقائق، ينفردان به في مكان هادئ، بعيدًا عن المقاطعة.

 في هذه اللحظات، يكون الهدف الوحيد هو الإنصات: بلا توجيه، بلا لوم، بلا تعليق.

قد يبدو الأمر غريبًا في البداية، لكن مع مرور الأيام، يعتاد الأبناء هذا النمط، ويشعرون بالأمان، فيبدؤون بسرد تفاصيل حياتهم دون خوف.

إن التدريب على كبح ردود الفعل أمرٌ أساسي. فقد يسمع الأب أو الأم ما لا يسر، وربما خبرًا صادمًا أو تجربة سلبية، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: ألا تكون هناك ردة فعل غاضبة أو انفعالية.

 فالغضب والصدمة قد يدفعان الأبناء إلى الانغلاق أو التمادي في الخطأ. وتجسد إحدى الأمهات هذا المعنى حين روت أن ابنتها صارحتها بأن شابًا اتصل بها مرتين فردّت عليه. كان من الممكن أن تنفعل الأم وتوبّخ ابنتها، لكن بفضل تدريبها على الإنصات، تماسكت، واستوعبت الموقف بهدوء.

.وفي وقت لاحق، عادت إلى ابنتها، فشكرتها على صراحتها، وأبدت ثقتها بها وبأخلاقها، وأشارت بلطف إلى أن ما حدث مجرد نزوة لن تتكرر.

كلمات قليلة، وابتسامة، ثم انسحبت بهدوء. هذا الموقف زرع في قلب الابنة حياءً ومحبة، ودفعها إلى مزيد من الصدق والانفتاح.

 إن من المهم أن نمنع أنفسنا من إظهار عبارات مثل: «تفاجأت» أو «انصدمت»، لأنها تعكس رفضًا وانفعالًا يضر بالعلاقة. كما ينبغي أن نشكر أبناءنا على مصارحتهم، ونُشعرهم بأن اعترافهم خطوة شجاعة تستحق التقدير.

ويقدم لنا التاريخ الإسلامي نموذجًا عظيمًا في قيمة المصارحة، كما حدث في قصة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، حين اعترفوا بصدق دون أعذار، فكان جزاؤهم قبول التوبة ورفع شأنهم.

 إنها رسالة واضحة بأن الصدق مع النفس والآخرين طريق للنجاة.

 ومن الوسائل المهمة كذلك تعزيز الدفء العاطفي: بالاحتضان، والكلمات الطيبة، والاهتمام، والمرافقة.

فإذا أخطأ الابن، لا نُبعده، بل نقربه أكثر، ليشعر أن الخطأ لا يسقطه من أعيننا، بل يدفعنا لنكون أقرب إليه.

فالأبناء يحتاجون أن يقولوا في داخلهم: «أفرّ إليك لا أفرّ منك».

إن النصيحة المباشرة في لحظة البوح قد تُغلق باب المصارحة، لذلك من الحكمة تأجيلها إلى وقت مناسب وبأسلوب لطيف.

بل وقد يكون من المفيد أحيانًا أن يبادر الوالدان بمشاركة بعض تجاربهم الخاصة بطريقة تربوية، مما يعزز جو الثقة ويشجع الأبناء على البوح.

 خلاصة القول: إذا أردنا أن يفتح أبناؤنا قلوبهم لنا، فعلينا أن نفتح آذاننا لهم.

 ننصت دون حكم، نحتوي دون صدمة، ونبني جسور الثقة بالهدوء والمحبة.

فحين يشعر الأبناء بالأمان، سيخبروننا بكل ما في قلوبهم.

 

عبد الرزاق حسن طبر