لم يصلني نبأ رحيل رفيق الدرب والمسيرة، الزميل القدير، والصحفي البارز في سماء الإعلام الوطني، بل الشقيق الأكبر، طارق طه محمد المريري، عبر وسائل الإعلام ولم أطَّلع عليه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، بل عبر مكالمة هاتفية تحمل وقع الفاجعة، فأدركت حينها أن القدر استدعاني استدعاءً لا يُقاوم، لأكون وجهاً لوجه أمام الحقيقة الصادمة. كدتُ أتجمّد في مكاني حين وقفتُ على جسده الطاهر في الموقع الذي سقط فيه مغشياً عليه، بجانب مقر عمله في الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون RTD، رغم وهج الحرارة الشديد الذي لفّ المكان.
المشهد كان مروّعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خاصة لمن لم يألف مثل هذه المواقف، فارتدعتُ أمام هول اللحظة، وارتجف البدن لا إرادياً، وتثاقلت الخطى، وكأن الزمن توقف فجأة، وامتنع العقل عن استيعاب ما تراه العين.
لم تكد أذناي تصدقان ما التقطه سمعي من كلمات الطبيبة الكُوبية التي فحصته بعناية، حين همست بصوت خافت معلنة انهيار ذلك الجبل الصامد، الذي ظل على مدى عشرين عاماً سنداً لا يلين، وركناً ثابتاً في مسيرتنا المهنية والإنسانية.
كان وقع كلماتها قاسياً كالصاعقة، فاسودّت الدنيا في عيني، وكادت نبضات القلب أن تخونني لولا لطف الله الذي أبقى في العمر بقية.
عشرون عاماً لم تكن كافية أبداً لننهل من ذلك المعين العذب، ولا لنرتوي من حضوره الدافئ، أو نكتفي من فكاهاته العفوية ونبرات صوته التي طالما زاحت عن القلوب أثقال الهموم، وبعثت في النفوس طمأنينة وبهجة، وأعادت للحياة معناها حين تضيق، وللأمل بريقه إذا ما كاد يخبو.
في رحيل هذه القامة الإعلامية، لم أفقد مجرد زميل في المهنة، بل خسرت كزملائي إنساناً نادراً، جمع بين المهنية العالية والأخلاق الرفيعة، وبين الصدق في الأداء والإخلاص في العطاء.
رجل كان يملأ المكان هيبةً ووداً، سيظل اسمك، يا رفيق العمر، محفورًا في الذاكرة، حاضرًا في تفاصيل الأيام، حيًّا في القلوب التي أحببتك بصدق.
ستبقى ذكراك عصيّة على النسيان، ما امتد بنا العمر في هذه الفانية، فكلنا ماضون إلى الرحيل، مهما تباعدت الأيام، وتفاوتت الآجال، ولا يبقى فيها إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
ولن تكون الكلمات، مهما بلغت من البلاغة، قادرة على الإحاطة بقيمتك أو إنصاف مسيرتك، ففي الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وحين يغيب الكبار، يتّسع الفراغ ويثقل الصمت.
لكننا، رغم قسوة الفقد، لا نملك إلا التسليم بقضاء الله وقدره، والصبر على حكمه، ولا نقول إلا ما يرضي الرحمن.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وألهم أهلك وذويك، والأسرة الإعلامية جمعاء، جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد عبد الله عمر رئيس دائرة الأخبار الإذاعية