في البداية أجمل التهاني أزجيها لقائد النهضة الجيبوتية على الثقة التي منحها له الشعب الجيبوتي بكل محبة وإخلاص، ثم التهاني للشعب الجيبوتي الواعي والطموح بمناسبة الاستحقاق الانتخابي الذي مارسه بكل أريحية وشفافية، والذي أكد على الوحدة التي أدت إلى تجديد الثقة في قيادته الحكيمة.

 وبهذه المناسبة يبدو أننا مدعون من وجهة نظر اقتصادية البحث عن العوامل التي أدت إلى هذه النتيجة؛

من خلال إعادة قراءة التجربة الجيبوتية من الزاوية الاقتصادية البحتة، وتحليل اتجاه المسار التنموي الذي شهدته البلاد خلال العقود الماضية.

 الوجهة الاقتصادية الصحيحة للبلاد أدت إلى الفوز: لقد ارتبط اسم فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله بمرحلة إعادة صياغة الوظيفة الاقتصادية للدولة الجيبوتية الحديثة، والتي انتقلت من اقتصاد هش محدود الموارد يعتمد كليا على موقعه الجغرافي وبشكل تقليدي، إلى نموذج أكثر تعقيدًا قائم على تعظيم القيمة المضافة للموقع الاستراتيجي.

هذه النقلة لم تكن تلقائية، ولم تكن لتحصل بالجهد الفردي أو التطلعات والأماني، بل جاءت نتيجة سياسات استثمارية مدروسة وموجهة نحو قطاعات بعينها، في مقدمتها الخدمات اللوجستية والنقل لربط القارة الأفريقية بالعالم، حيث تم تطوير قطاع الموانئ، مما حول جيبوتي إلى مركز إقليمي لإعادة التصدير وخدمات العبور (Transit) مستفيدة من ارتباطها الحيوي باقتصاد الدول المجاورة وخصوصاً دولة إثيوبيا غير الساحلية.

هذا الارتباط خلق نموذجا تكاملياً فريداً، جعل من جيبوتي بوابة بحرية شبه حصرية لتجارة إثيوبيا الخارجية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على نمو الإيرادات وتعزيز الاستقرار المالي.

 تحديث البنية التحتية للبلاد أدت إلى الفوز: وفي سياق موازٍ، شهدت البنية التحتية للبلاد توسعاً ملحوظاً، سواء في شبكات النقل أو المناطق الحرة، أو الخدمات العامة، مما أسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لا سيما من شركاء دوليين في آسيا والشرق الأوسط.

وقد عزز هذا التوجه من موقع جيبوتي كحلقة وصل في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد الدولي نحو إعادة تشكيل ممرات مائية للتجارة العالمية.

تطوير القطاع المالي بشكل ملحوظ أدى إلى الفوز: وعلى مستوى القطاع المالي، فقد تطور النظام المصرفي في جيبوتي من حضور محدود إلى بيئة أكثر تنوعاً، فأصبحت البلاد تضم بنوكاً محلية ودولية، تساهم في عملية التنمية بصورها المتنوعة، فهي لم تعد كالسابق يقتصر دورها على المراباة المزدوجة (القرض والإقراض) بل أصبحت تعمل على تقديم خدمات تمويلية مرتبطة بالتجارة والاستثمار.

 ورغم أن هذا القطاع لا يزال في طور النمو مقارنة بمراكز مالية إقليمية أكبر، إلا أنه يشكل ركيزة أساسية لدعم الأنشطة اللوجستية والتجارية والتنمية الشاملة للبلاد.

التوجيه المستمر للتعليم الهادف أدى إلى الفوز:

ولم يغب عن باني دولة جيبوتي الحديثة العمل على التركيز بوضوح على التعليم الاقتصادي، بمعنى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، خاصة في التخصصات المرتبطة بالإدارة، النقل، والخدمات العامة واللوجستية، مما أثمر تمكين أبناء الشعب من الالتحاق بالأعمال المطلوبة بكل جدارة واقتدار.

 ورغم هذا التركيز فلا يزال التحدي قائماً ومرتبطاً ببناء رأس مال بشري قادر على تحقيق اقتصاد مبني على المعرفة ويهدف إلى خلق مجالات اقتصادية جديدة، ولا يقتصر فقط على تأمين الموارد البشرية للخدمات الوسيطة.

 الركائز الواضحة للنموذج الجيبوتي المتميز أدت إلى الفوز:

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن النموذج الجيبوتي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

١. الاستفادة القصوى من الموقع الجغرافي عبر الاستثمار في البنية التحتية.

 ٢. الاندماج في الاقتصاد الإقليمي من خلال شراكات وظيفية، خصوصاً مع إثيوبيا.

 ٣. الانفتاح على الاستثمار الدولي كوسيلة لتسريع النمو وتعويض محدودية الموارد الطبيعية.

ومع ذلك، فإن هذا النموذج يواجه تحديات حقيقية، في المرحلة الحالية أبرزها:

محدودية تنويع القاعدة الإنتاجية خارج قطاع الخدمات. ارتفاع الاعتماد على شريك اقتصادي واحد.

الحاجة إلى تعميق الإصلاحات المؤسسية لضمان استدامة النمو.

 قناعة الشعب بقيادته أدت إلى الفوز:

إن تجدد الثقة الشعبية في القيادة الحالية يعكس قناعة الشعب ورغبته المضي قدماً بهذا المسار الاقتصادي والرضى عنه، فرغم ما يحيط بهم من تحديات، إلا أنهم أدركوا أن مواصلة مسيرة البناء والسعي نحو الهدف المنشود هو الاختيار الصحيح، فالمعادلة الجيبوتية تقوم على:

 تحقيق الاستقرار الأمني كشرط أولي لجذب الاستثمار، وهو ما ارتكزت عليه القيادة الحكيمة وجعلته خياراً استراتيجياً داخلياً لا يمكن الرجوع عنه أو استبداله بخيار آخر.

اختيار نوعية الاستثمار المناسب كأداة لتعزيز الاستقرار، وهو كذلك ما أكدت عليه توجيهات القيادة العليا بعد دراسات وقناعات لا يمكن التنازل عنها. هذه المعادلة الدقيقة التي أدارتها القيادة الرشيدة شكلت منها أهدافاً استراتيجية طويلة الأمد، هي التي فهمها أفراد الشعب وبنوا عليها اختيارهم في تجديد الثقة بفخامة الرئيس جيله وقيادته الحكيمة، وهي تعتبر من التجارب التي يمكن أن تتبناها الدول الصاعدة نحو التطور.

مشاركة الشعب في المشروع الحالي والمستقبلي للبلاد أدت إلى الفوز:

إن الشعب الجيبوتي يدرك تماماً أن ما قام به الرئيس جيله خلال ربع قرن سابق كان على خطى مدروسة شاركوا جميعاً بطرق مباشرة وغير مباشرة في صياغتها من خلال نواب الشعب وفي تنفيذها من خلال الوزارات والإدارات والهيئات المتنوعة، حتى وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه حالياً، وقد آن الأوان لقطف ثمارها فخراً واعتزازاً، ولهذا قال الشعب الجيبوتي كلمته لقيادته ليبدأ معها المرحلة القادمة لرسم مستقبل أجمل.

الديموقراطية في أبهى صورها أدت إلى الفوز: من خلال ما عاشته جيبوتي من وقائع لهذا العرس الانتخابي المتميز خلال الأسابيع الماضية، لمس الجميع مدى التفاف الشعب الجيبوتي حول قيادته بكل حب وإخلاص، كما أدرك الجميع أن المنافسة الشريفة هي التي سادت على عرض برامج المرشحين وأتباعهم، وهي تجربة جديدة تضاف إلى التجارب الناجحة لهذا الدولة، وعليه فلم تكن النتيجة مستغربة من أحد.

 الجميع فائزون ولا مجال للنشاز:

ختاماً، فإنَّ الفوز لم يكن لشخص الرئيس فقط بل كان لكل الأهداف والإنجازات التي حققها على مدار السنوات السابقة، وبالتالي فهو فوز لجميع الشعب بمختلف أطيافهم وأفكارهم، فالانتماء إلى الوطن يجمع بينهم ويوحدهم جميعاً، ويجعلهم شركاء في النجاح، وعليه فإن التهنئة بالفوز يجب أن توجه لشعب جيبوتي كله، وليس إلى فئة أو حزب أو مجموعة أو شخص، فهي تهنئة تتجاوز البعد الرمزي أو العاطفي، لتعبّر عن تقدير كبير لشعب واع ومدرك لتجربة اقتصادية ناشئة متميزة نبتت في بيئة معقدة، واستطاعت بحكمة قيادتها أن تفرض نفسها كنموذج قابل للدراسة في أدبيات التنمية للدول المختلفة، لا سيما الدول الصغيرة ذات الموارد المحدودة والموقع المتميز، وما تجربة سنغافورة عن تجربة جيبوتي ببعيدة.

مرة أخرى مبارك لشعب جيبوتي أداء الاستحقاق الانتخابي بكل سلاسة ويسر وحرية. ومبارك للوطن على هذا العرس الديموقراطي المتميز.

ومبارك لفخامة الرئيس جيله على محبة الشعب له.

وأسأل الله تعالى أن يديم على دولة جيبوتي الأمن والأمان وأن ينعم عليها بالرخاء والازدهار لتصل إلى المستقبل الزاهر في جميع نواحي الحياة.

 

الدكتور / مصطفى المفلح