تضخم الهيكل الإداري تتمثل ظاهرة التضخم الإداري في الحالة التي نجد فيها مؤسسة قوامها خمسون موظفًا مثلًا، يديرها عشرون مديرًا أو مشرفًا، فيتحول ما يقارب نصف الأفراد منشغلين بالتخطيط وكتابة التقارير فقط لأنهم مسؤولون، بينما أقلية من الموظفين هي التي تعمل أو تتواجد في الميدان.

وهنا يتحول الهيكل الإداري من أداة تنظيم وتنسيق إلى عبء ثقيل على مسيرة عمل المؤسسة.

 مشكلتنا ليست في الإدارة، بل في فهمنا للإدارة؛

فالإدارة الناجحة هي إدارة محدودة العدد، غير مرئية، لكنها كثيرة العمل، تتواجد في كل مكان، وتحرك كل شيء. أما الإدارة المتضخمة فهي كثيرة العدد، قليلة العمل، كل فرد في مكتب خاص، ولا أحد منهم يعمل فعلًا، بل ينتظر الآخرين أن يعملوا.

ومن هنا تجد أن المعاملة البسيطة من المواطن أو العميل تحتاج سبعة توقيعات مثلًا، كما أن الفكرة الإبداعية تموت في التنقل بين تلك المكاتب، وأن القرارات تتأخر حتى تفوت الفرصة أو ييأس المستفيد من العملية.

من أسباب تضخم الهيكل الإداري ثقافة المجتمع التي تربط بين المنصب والوجاهة، بحيث يصبح الكرسي هدفًا بحد ذاته، حتى لو كان كرسيًا بلا مكتب، فنرى الكثيرين داخل المؤسسة يهرعون نحو المسؤولية كأنها هدية وليست مسؤولية.

كما أن المجاملة والترضيات، وكذلك غياب الوصف الوظيفي، لا تقل دورًا عن عنصر الثقافة. للتضخم الإداري فاتورة باهظة لا تظهر في الميزانية فقط، بل في الروح المعنوية للأفراد من موظفين ومواطنين؛

فالموظف يكتشف أن ترقيته مستحيلة لأن كل المناصب مشغولة، فيلجأ إلى التكاسل أو الهجرة إلى بيئة أخرى تقيّم إنجازه على الأقل وتحترمه في ذلك.

 أما المواطن أو العميل الذي يتعطل طلبه بين هذه المكاتب فيُعتبر ثاني الضحايا، والخسارة الأكبر قد تكون الهدر في الموارد؛

فالرواتب التي تُدفع لإدارات شكلية كان يمكن أن تبني مصنعًا أو تدرب ألف شاب. 

هناك شركات عالمية كبرى أدركت خطر التضخم الإداري مبكرًا.

فعندما تولى ستيف جوبز شركة «آبل» عام 1997م كان أول قراراته هو تشذيب أو تخفيف الهيكل الإداري وحذف طبقات كاملة من المدراء المتوسطين، فعادت الشركة من حافة الإفلاس إلى القمة من جديد، والسر لم يكن في المال، بل في تقليل المسافة بين الفكرة والتنفيذ.

 ختامًا، المؤسسات لا تموت فجأة بلا سبب، ومن أسباب موتها أحيانًا السمنة الإدارية.

والتاريخ الإداري يعلمنا أن أقوى الإمبراطوريات سقطت عندما أصبح عدد قادتها يقارب عدد جنودها.

 لهذا علينا أن نختار الرشاقة لمؤسساتنا وليس التضخم، ومن هنا نصنع النصر ونقتل الهزيمة.

 

د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة