في قلب القرن الأفريقي، حيث تلتقي مياه البحر الأحمر بمياه المحيط الهندي، تقف جمهورية جيبوتي كمنارة استراتيجية تضيء طريق التجارة العالمية.
أرض صغيرة في المساحة، غنية بالموقع الجيوسياسي، تتحول اليوم إلى نموذج حي للتقدم المدروس، يجمع بين الاستفادة من الموقع الفريد والالتزام بالتنمية المستدامة.
إنها قصة أمة تتقدم بخطى ثابتة، لا تندفع في عواصف الطموح السريع، بل تبني أساساً متيناً يربط بين الماضي والمستقبل، بين الميناء والإنسان، وبين اللوجستيات والاستدامة البيئية والاجتماعية.
منذ إطلاق رؤية جيبوتي 2035، أصبحت البلاد تعتبر نفسها «منارة البحر الأحمر» و»مركزاً تجارياً ولوجستياً لأفريقيا». يعتمد هذا التحول على موقعها الاستثنائي عند مضيق باب المندب، الذي يجعلها بوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا، خاصة لجارتها إثيوبيا الداخلية.
شهدت السنوات الأخيرة نمواً اقتصادياً قوياً، بلغ حوالي 6.5% في عام 2025، مدفوعاً بشكل أساسي بنشاط الموانئ واللوجستيات.
في قلب هذا التقدم يبرز ميناء دوراليه متعدد الأغراض، الذي تحول إلى أحد أبرز المحطات الحاوياتية في المنطقة، إلى جانب مشاريع توسعة الموانئ والمناطق الحرة مثل المنطقة التجارية الدولية الحرة في جيبوتي.
ساهمت هذه الاستثمارات الضخمة، التي شملت خط السكة الحديدية بين جيبوتي وأديس أبابا وخط أنابيب المياه، في تعزيز القدرة التنافسية للبلاد كمركز لوجستي إقليمي.
لم يعد الميناء مجرد نقطة عبور للبضائع، بل أصبح محركاً للنمو يخلق فرص عمل ويجذب الاستثمارات الأجنبية، مع التركيز على الكفاءة والتكامل الإقليمي.
ومع ذلك، لم تقف جيبوتي عند حدود اللوجستيات التقليدية.
إدراكاً منها لمحدودية الاعتماد على قطاع واحد، توجهت نحو التنويع الاقتصادي كركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
يأتي هذا التوجه متوافقاً مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، حيث تركز الجهود على البنية التحتية الاقتصادية، والطاقة، والتنمية الحضرية، مع تعزيز الصمود أمام التغير المناخي.
أبرز مظاهر هذا التحول هو الالتزام الطموح بتحقيق 100% طاقة متجددة بحلول عام 2035، مما يجعل جيبوتي أول دولة أفريقية تحقق هذا الهدف تتمتع البلاد بإمكانيات هائلة في الطاقة الجيوحرارية والرياح والشمس. شهد عام 2023 افتتاح مزرعة الرياح في غوبيت بقدرة تصل إلى حوالي 59 ميغاواط، وهي أول مشروع طاقة رياح على نطاق تجاري في البلاد.
كما تتقدم مشاريع الطاقة الشمسية في غراند بارا، والمشاريع الجيوحرارية في منطقة بحيرة لك عسال ، بالإضافة إلى مبادرات إنتاج الهيدروجين هذه المشاريع لا تقلل فقط من تكلفة الطاقة وتعزز الاستقلال الطاقي، بل تساهم أيضاً في خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية في منطقة تعاني من الجفاف والحرارة الشديدة.
تتجاوز التنمية المستدامة في جيبوتي مجرد الطاقة النظيفة لتشمل جوانب اجتماعية واقتصادية أوسع تدعم مشاريع البنك الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى الاستثمارات في التعليم، والصحة، وحماية اجتماعية، وتوظيف الشباب، إلى جانب إصلاحات مؤسسية تهدف إلى تعزيز الكفاءة والشفافية كما تشهد قطاعات مثل السياحة والصيد والتعدين والتكنولوجيا الرقمية نمواً مدروساً، يهدف إلى تقليل البطالة وتحسين مؤشرات التنمية البشرية.
كما تتطلب التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، مثل التوترات في البحر الأحمر، إدارة حكيمة للمخاطر ومع ذلك، تظهر الإصلاحات المالية والتركيز على الشراكات الدولية، سواء مع الصين أو المؤسسات الغربية أو الإقليمية، قدرة البلاد على تحويل التحديات إلى فرص.
في الختام، تمثل جيبوتي اليوم نموذجاً ملهماً لدولة صغيرة تحول موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وتجمع بين الطموح اللوجستي والرؤية البيئية الواعية.
بخطى ثابتة، لا متسارعة ولا مترددة، تبني جيبوتي مستقبلاً يجمع بين الازدهار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.
إنها ليست مجرد بوابة تجارية، بل نموذج لأفريقيا تثبت أن التقدم الحقيقي يأتي من التوازن بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والاستثمار في الإنسان والكوكب ومع استمرار هذه الخطى الثابتة، يبدو مستقبل جيبوتي مشرقاً، كمنارة تضيء ليس فقط طريق التجارة، بل طريق التنمية المستدامة للقارة بأسرها.
بقلم / شاكر عيليه جيله