استوقفني فقط استمعت اليوم إلى شريط صوتي في موقع للتواصل الاجتماعي يقول صاحبه إن القول في يوم الجمعة «جمعة مباركة» بدعة لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقلها أحد في عهده ولا في عهد الصحابة الكرام، ويأثم صاحبها.

لست عالمًا في الشريعة وللشريعة رجالها، وأعلم أن الذين أفتوا بذلك أكثر مني علمًا وفقهًا في دين الله تعالى. لكن هناك مسائل دينية يفهمها حتى المثقف البسيط في دين الله، ولا تحتاج إلى المثالية في فهمها، ولا إلى البحث الدقيق أو القراءة الواسعة فيها.

سؤال بسيط: هل الدعاء للآخر بأي طريقة وبأي ألفاظ كانت يدخل في باب البدعة في دين الله؟

ما الضير لو قلت لأخي المسلم «جمعتك مباركة» أو «سعيدة بإذن الله»؟

 أليست من جنس الدعاء، والدعاء بالبركة مشروع؟

هل معنى ذلك أن كل الكلمات الطيبة التي نتداولها في المناسبات في سبيل المحافظة على العلاقات العامة، وعلى سبيل الدعاء لا على سبيل السنة، مثل: «عيد مبارك»، «ليلة سعيدة»، «أتمنى لك خيرًا»، «تصل بالسلامة»، «رافقتك السلامة»، «دعواتك لي»... فيها حرج، وهل كلها بدعة يأثم صاحبها؟

 إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان شخصية اجتماعية بالدرجة الأولى، وإلا كيف كان يدعو الناس إلى الإسلام؟

ألم يقل عليه السلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، وأن المراد بالناس هنا كما قال العلماء هو الجنس دون تخصيص الناس بنوع معين؟

 أليس الإنسان الذي ينعزل ولا يخالط الناس ولا يفتح باب العلاقات معهم لا يمكن له أن يكون اجتماعيًا، ولا يستطيع أن يغير شيئًا من مجرى حياة الآخرين، علمًا أن المخالطة لا تتم إلا بتكوين علاقات طيبة مع الناس وإلا يكون صاحبها منبوذًا في قومه «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك».

أعتقد أن مثل هذه الكلمات الآنفة الذكر، ومنها «جمعة مباركة»، لا تمثل إلا جزءًا بسيطًا من وسائل تكوين العلاقات الطيبة مع من حولك.

 إن الإسلام منع من الكلام فواحشه فقط، أما حسنه فهو طيب ويُعتبر صدقة من الصدقات.

و»الكلمة الطيبة صدقة» كما قال عليه السلام، و»إليه يصعد الكلم الطيب» كما ورد في القرآن الكريم.

أليست الكلمة المعنية أو غيرها من الكلمات الطيبة المذكورة أعلاه صدقة من الصدقات ما دامت يستحسنها الناس ويعتبرونها كلمات طيبة، بدل أن تكون بدعة يأثم قائلوها؟

لا أنكر حكم بعض العلماء في المسأل، فالمجال ليس مجالي، لكني أستغرب زمنها.

لقد سقطت الخلافة الإسلامية إلى درجة اعتقد البعض أنها لن تعود أبدًا، ويُباد المسلمون اليوم في كل مكان تحت ذرائع لا تُعد ولا تُحصى، ويتم تجزئة المجزأ في العالم الإسلامي إلى دويلات وإمارات دولة بعد دولة، فضلًا عن أن في إستراتيجية اليهود البعيدة المدى إن لم تكن المتوسطة المدى هي العودة إلى المدينة المنورة.

 أليس من المستحسن لنا إذًا أن نفهم الأولويات وأن نفرق بين الواجب والأوجب؟

 

د. عثمان فريد، أستاذ بالجامعة