الكلمات التي نوجهها إلى أبنائنا ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي رسائل عميقة تترك أثرها في نفوسهم وتشارك في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم.

فالابن منذ سنواته الأولى يبني صورته عن نفسه من خلال ما يسمعه من والديه ومعلميه ومن يحيطون به.

لذلك كان من الواجب على الآباء والأمهات الانتباه إلى خطورة الكلمات التي تخرج منهم في لحظات الغضب أو الضغط أو حتى المزاح.

تشير بعض الدراسات التربوية إلى أن الطفل قد يستقبل منذ ولادته وحتى بلوغه آلاف الرسائل السلبية، وهذه الرسائل قد تسهم بنسبة كبيرة في تكوين شخصيته ونظرته إلى ذاته. فعندما يُكرر على الابن أنه “غبي” أو “فاشل” أو “لا يفهم”، يبدأ عقله بالبحث عن مواقف تثبت تلك الكلمات، فتتحول مع الوقت إلى حوار داخلي دائم: “أنا غبي”، “أنا لا أستطيع”، ثم تتحول هذه القناعات إلى سلوك يؤثر على مستقبله وقدراته.

 ومن هنا تأتي أهمية اختيار الكلمات الإيجابية التي تبني ولا تهدم، وترفع ولا تُحبط.

 ومن أخطر الكلمات التي تؤذي الأبناء ما يُعرف بالابتزاز الوجداني، كأن يقول الأب أو الأم: “أحبك إذا أطعتني”، أو “لن أحبك إن أخطأت”.

هذه العبارات تدمر شعور الابن بالأمان العاطفي، لأنه يظن أن حب والديه ليس لذاته، وإنما مرتبط فقط بالنتائج والإنجازات.

فينشأ وهو يشعر أن قيمته مرهونة بالتفوق أو النجاح، لا بكونه ابناً محبوباً في كل الأحوال.

 ولهذا نجد بعض الأبناء عندما يحققون نجاحاً يقولون لآبائهم: “هذه الشهادة من أجلكم”، وكأنهم عاشوا لإرضاء الآخرين لا لبناء ذواتهم.

ومن الكلمات المؤذية كذلك تحميل الأبناء مسؤولية ضغوط الحياة ومشكلاتها، كقول بعض الآباء: “أنتم سبب تعبي”، أو “أنتم سبب مرضي”، أو “بسببكم ضاع عمري”.

وهذه العبارات تترك جروحاً نفسية عميقة، خاصة عند الأبناء الذين يعيشون في أجواء أسرية مضطربة أو بين والدين منفصلين.

فحين يسمع الطفل أن طلاق والديه أو شقاء أحدهما كان بسببه، يشعر بالذنب والحزن وقد يحمل ألماً نفسياً طويلاً لا يستطيع التعبير عنه.

كما أن كثرة المنّ على الأبناء والتذكير بالتضحيات تضعف العلاقة بينهم وبين والديهم، لأن التربية الحقيقية تقوم على الرحمة والعطاء، لا على تعداد المعروف والتذكير به في كل موقف.

 فالابن يحتاج إلى الاحتواء والدعم، لا إلى إشعاره بأنه عبء ثقيل على أسرته.

ومن الأخطاء الشائعة أيضاً المقارنة بين الأبناء أو بينهم وبين غيرهم، كأن يُقال: “انظر إلى أخيك”، أو “فلان أفضل منك”.

 فالمقارنة تهدم الثقة بالنفس، وتزرع الغيرة والحقد والشعور بالنقص، بينما لكل طفل قدراته الخاصة وشخصيته المختلفة. أما الحل التربوي الأمثل فهو اعتماد أسلوب المدح والتشجيع الإيجابي.

 فالابن يحتاج إلى كلمات تقدير ودعم يسمعها باستمرار، مثل: “أنا فخور بك”، “أحسنت”، “يسرني أن الله رزقني أبناء مثلكم”.

والمدح المعتدل الصادق يزرع الثقة، ويقوي العلاقة الأسرية، ويدفع الأبناء إلى تحسين سلوكهم من دافع الحب لا من دافع الخوف.

إن التربية بالكلمة الطيبة منهج نبوي وإسلامي عظيم، يقوم على الرحمة والرفق وبناء النفوس.

فالكلمة قد تصنع إنساناً ناجحاً واثقاً بنفسه، وقد تهدم روحاً بريئة لسنوات طويلة.

لذلك فلنحرص جميعاً على أن تكون كلماتنا مع أبنائنا نوراً يزرع الأمل، لا سهاماً تترك الألم في قلوبهم.

 

بقلم : عبد الرزاق حسن طبر