شحوم المواشي الطبُّ علمٌ، وقد يكون مهنةً أو وظيفةً عند أهله من أجل كسب المعيشة، لكنه ليس فنًّا في علاجه للمشاكل المرضية، كما أن الإدارة ليست فنًّا في حلها للمشاكل الإدارية.

 وأعتقد أن كل ما كُتب عن «فنية الطب» إن صحَّ التعبير، مثل كتاب «الطب فنٌّ مش عن» للدكتور أحمد الخطيب، وغيره من الكتب في هذا المجال، هي مجرد نصائح طبية أولية لغير المتخصصين فيه، كالإسعافات الأولية في مواجهة الأمراض قبل تشخيصها ومعرفة حقيقتها، وليست علمًا يُعتمد عليه.

ولا يُسمّى العلم علمًا إلا إذا بُني على دراسة متكاملة، أو تجربة ناجحة، أو خبرة طويلة اكتسبها الإنسان من التجارب البشرية عبر التاريخ.

 وأولى العلوم هو علم الوحي الموروث عن النبي ﷺ.

 وما عدا ذلك لا يمكن الركون إليه علميًّا.

ولهذا إذا اختلفت النتيجة عند طبيبين بعد تشخيص المرض نفسه، فذلك جهلٌ وليس علمًا، إلا إذا كان هناك عطلٌ في الأجهزة نفسها، كما يتحج بعضهم عند المواجهة.

 عودة إلى الموضوع هناك اعتقادات طبية منتشرة بين الناس عندنا، وتبيّن لنا في النهاية، ومن الأطباء أنفسهم، أنها غير صحيحة.

وأنا شخصيًّا لم أجد لها دليلًا مقنعًا رغم أني حاورت فيها أكثر من طبيب.

ومن هذه الاعتقادات: عدم استعمال سمن الماشية أو شحومها في الأكل، حتى ولو كانت صافية، وحتى ولو كانت من المواشي التي ترعى الأعشاب البرية النظيفة.

أذكر مرة، وأعتقد أنها كانت عام 1997، أنني حضرت محاضرة لأحد الأطباء، ومما أذكره من كلامه أن استعمال سمن المواشي وما شابهه من المهلكات، وأنه من مسببات الكولسترول رقم واحد.

ومن يومها حرمتُ نفسي من هذه النعمة، بل مرّت عليّ فترة جاهدتُ فيها النا س، وخاصة الأقارب، ليبتعدوا عن استعمال مثل هذه الدهون، صغارًا وكبارًا، وإلا ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة.

الغريب في الأمر أنني بينما أشتري كبش الأضحية لقيني طبيب وطلب مني أن أبيع له إلية الخروف «ذيل الكبش».

 فقلت له: وماذا تفعل بها؟

قال: عندي صغير، وأريد أن أسقيه ملعقة صغيرة من شحومها. 

فقلت له: أليس شرب مثل هذه الدهون، وخاصة دهون الضأن أو الكباش، ممنوعًا طبيًّا؟

لأنها تسبب أكثر من مرض للإنسان؟

 قال: لا، بالعكس هي مفيدة، بل فيها فوائد كثيرة، وخاصة للصغار.

قد نختلف في المسألة العلمية إذا كان جزء منها فنًّا، مثل المسائل الإدارية.

أما علم الطب فهو من العلوم التي لا علاقة لها بالمسائل الفنية، خاصة عند تشخيص المرض، فلا يمكن أن تُعرَّض حياة الإنسان للخطر بناءً على معلومات احتمالية أو اجتهادات طبية من عند الطبيب.

ومما أذكره هنا أيضًا، وهذا حصل معي قبل سنين، أن ابنًا لي اشتكى من التهاب اللوزتين، وكان عمره حينها لم يتجاوز الشهور.

 أذكر أن الطبيب يومها نصحني بقطع اللوزتين، وإلا ستتعرض حياة الطفل لمخاطر قد لا تُحمد عقباها.

لم أقتنع برأي الطبيب يومها، وما زال الابن إلى الآن بخير، وعمره تجاوز الخامسة عشرة.

 الغريب أنني رأيت الطبيب نفسه قبل أيام، وهو يقف ضد قطع اللوزتين نهائيًّا وبقوة، وأن فوائدها للفرد أكبر من ضررها.

عودة لمسألة الدهون مرة أخرى بعض الأطباء يربطون عدم استعمال الدهون بقلة الرياضة، وحسب كلامهم فإن العمل الكثير والحركة الدؤوبة هي التي حمَت أهل البدو من أمراض الدهون.

 وحتى إن صحّت هذه الفكرة، فإن أهل المدن في الوقت الحالي أكثر حركة من أهل البدو، وخاصة الفئة الشبابية التي تمارس الرياضة بأنواعها ليل نهار.

كما أن العمال هم من أكثر الناس جهدًا نظرًا لطبيعة أعمالهم.

 ولا يوجد عندنا مدمنون على القعود إلا السائقين وأصحاب المكاتب.

 على كل حال قرأت دراسة أكدت أن دهون المواشي مفيدة للصحة إذا تناولها الإنسان باعتدال دون إفراط.

أما الهجرة عنها نهائيًّا، حتى القليل منها، كما فعل كثير من المثقفين عندنا، فأعتقد أن ذلك غير صحيح، بل هذا هو ما أدى لدى الكثيرين إلى الجفاف الجسدي، وإلى إمساك البطون وخاصة عند الصغار.

 

 بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بجامعة جيبوتي