في عصر التنافس الجيوسياسي الشديد بين القوى العالمية، يبدو أن الدول الصغيرة محكوم عليها بالهامشية أو التبعية. لكن تجربة جيبوتي تقدم نموذجًا استثنائيًا وملهمًا يثبت أن الحجم الجغرافي أو الاقتصادي ليس قدرًا، وأن الذكاء الاستراتيجي والرؤية الواضحة يمكنان الدولة الصغيرة من أن تصبح لاعبًا محوريًا لا غنى عنه على الساحة الدولية. تقع جيبوتي، التي لا تتجاوز مساحتها 23 ألف كيلومتر مربع وسكانها نحو 1.2 مليون نسمة، في موقع جغرافي فريد يسيطر على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. يمر عبر هذا المضيق ما بين 10 و12% من التجارة البحرية العالمية، إلى جانب كميات هائلة من النفط والطاقة المتجهة من الخليج العربي نحو أوروبا والعالم. هذا الموقع الاستراتيجي لم يكن عبئًا على جيبوتي، بل تحول إلى رأس مال وطني استثمرته الدبلوماسية الجيبوتية ببراعة فائقة، مما جعلها محط أنظار واهتمام الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان ودول أخرى. بدلاً من الخوف من المنافسة الدولية، اختارت جيبوتي أن تسوق موقعها الجغرافي وتقدم نفسها كشريك ضروري وموثوق لكل قوة تبحث عن نفوذ أو أمن لطرق إمداداتها. أصبحت الدولة الوحيدة في العالم التي تستضيف قواعد عسكرية لثماني دول كبرى في آن واحد. هذا الوجود الدولي جاء نتيجة استراتيجية واعية تقوم على تأجير المساحات، وتقديم الخدمات اللوجستية والأمنية، مقابل عوائد مالية كبيرة ومشاريع بنية تحتية ضخمة وفرص عمل ودعم تنموي مستمر. بهذه الطريقة، حولت جيبوتي ما كان يمكن أن يكون ساحة صراع إلى مصدر استقرار وازدهار. أبرز ما يميز التجربة الجيبوتية هو قدرتها الفريدة على استضافة قوى متنافسة على أرض واحدة دون أن تفقد سيادتها أو استقرارها. اعتمدت سياسة دبلوماسية توازنية ذكية، قائمة على عدم الانحياز الحصري لأي طرف، وإبقاء جميع الأبواب مفتوحة، والتركيز على المصلحة المشتركة بين الجميع وهي الحفاظ على استقرار المنطقة وأمن الملاحة. فالوجود الأمريكي يركز على مكافحة الإرهاب، والصيني على الجانب الاقتصادي واللوجستي، والفرنسي يمثل امتدادًا لعلاقات تاريخية، وكلها تتعايش في إطار سيادي جيبوتي واحد. هذا التوازن البراغماتي خلق ضمانة أمنية جماعية غير رسمية تحمي البلاد وتعزز مكانتها الدولية. ولتعزيز هذا التوازن، سعت جيبوتي إلى تنويع شراكاتها الدولية، فلم تقتصر على علاقاتها التقليدية مع فرنسا والولايات المتحدة، بل وسعت دائرتها لتشمل مشاريع «الحزام والطريق» الصينية، والشراكات مع اليابان والهند والسعودية والإمارات وتركيا. هذا التنويع قلل من مخاطر التبعية لجهة واحدة، وفتح آفاقًا استثمارية واسعة ساهمت في تطوير الموانئ والسكك الحديدية والمناطق التجارية الحرة. كما بنت جيبوتي هوية وظيفية مميزة، مدركة أنها لن تصبح قوة عسكرية أو اقتصادية عملاقة، فركزت جهودها على أن تكون عاصمة إقليمية للأمن والخدمات اللوجستية. أصبحت مقرًا لمنظمات إقليمية، ووسيطًا معتمدًا في بعض النزاعات، ومحور ربط حيوي بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، ومركزًا مهمًا لتأمين الملاحة ومكافحة القرصنة. بهذه الرؤية الواضحة تحولت من دولة صغيرة إلى «وظيفة دولية» أساسية يصعب على المجتمع الدولي الاستغناء عنها. بالتأكيد، حققت جيبوتي نقلة نوعية ملموسة في بنيتها التحتية ومعدلات نموها الاقتصادي، وعززت دورها الإقليمي بشكل كبير. ومع ذلك، تظل التجربة تواجه تحديات واقعية تستحق الاهتمام، مثل الحاجة إلى تنويع مصادر الاقتصاد أكثر، ومواجهة الديون الخارجية، وتجاوز الضغوط الاجتماعية المتعلقة بالبطالة والفقر، إضافة إلى الحفاظ على تفردها في ظل تطور الموانئ المنافسة في المنطقة. ومع ذلك، تبقى تجربة جيبوتي نموذجًا حيًا وقابلًا للتطبيق يستحق الدراسة. إنها تثبت أن القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لا تقاس بالمساحة أو عدد السكان أو حجم الجيش فقط، بل بفهم عميق للموقع الجغرافي وتوظيفه الأمثل، وبدبلوماسية مرنة وتوازنية، وقدرة على تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة، وبناء شراكات متعددة تخدم المصلحة الوطنية العليا. جيبوتي لم تعد مجرد دولة صغيرة على خريطة القرن الأفريقي، بل أصبحت مثالاً حيًا يؤكد أن الدول الصغيرة يمكنها أن تكون كبيرة جدًا بالذكاء والاستراتيجية في عالم يسيطر عليه الكبار. تجربة تستحق الاحتذاء بها من قبل كل دولة تبحث عن مكانة مؤثرة ومستقبل مزدهر في عالم متغير باستمرار. بقلم / شاكر عيليه جيله