تُعدّ الثقة بالنفس أو تقدير الذات من أهم الأسس التي تُبنى عليها شخصية الأبناء؛ فهي تعني أن يثق الإنسان بقدراته وإمكاناته ومبادئه وقيمه التي يؤمن بها. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يبلغ منزلة العزة التي قال الله تعالى عنها: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾. فالعزة الحقيقية أن يعتز الإنسان بدينه، وأخلاقه، وقيمه، والتزامه اليومي، وأن يشعر بقيمته وكرامته. وهذه الثقة لا تُبنى بالكلام المجرد أو بالنصائح المتكررة فقط، وإنما تُغرس بالتربية الصحيحة وغرس القيم في نفوس الأبناء. والقيم لا يمكن أن تُغرس بالعنف أو القسوة؛ لأن القيمة الحقيقية هي التي يقتنع بها الإنسان وجدانياً حتى تصبح جزءاً من شخصيته وسلوكه. وللقيمة ثلاثة مكونات أساسية: أولاً: المكون المعرفي وهو أن يعرف الإنسان الخير والفضيلة وتعاليم الدين والأخلاق الحسنة. فالمعرفة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى سلوك عملي. وقد ذمّ الله تعالى الذين يعلمون ولا يعملون، فقال سبحانه: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، وشبّه من يحمل العلم دون تطبيق بالحمار يحمل الكتب، فقال تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾. ثانياً: المكون السلوكي وهو تحويل المعرفة إلى ممارسة يومية وسلوك ثابت. فالإنسان عندما يعمل بما يعلم يترسخ الخير في نفسه، ولذلك كان النبي ﷺ يدعو قائلاً: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فالثبات على القيم يحتاج إلى تدريب وممارسة مستمرة. ثالثاً: المكون الوجداني وهو أعظم مكونات القيم وأقواها، ويعني أن يشعر الإنسان بالفخر والاعتزاز بما يؤمن به. فالمسلم لا يؤدي الصلاة مجرد عادة، بل يصلي وهو يشعر بالعزة والحرية والطمأنينة لأنه يعبد الله. وكذلك ينبغي أن يعتز الإنسان بلغته وثقافته وأخلاقه ودينه. وهذا المكون الوجداني هو الذي يمنح الإنسان القوة والثبات حتى في أصعب الظروف. ومن أجل بناء الثقة بالنفس وتقدير الذات لدى الأبناء، هناك خطوات تربوية مهمة ينبغي للوالدين اتباعها: ١- بناء صورة إيجابية عن الابن فالابن يتأثر كثيراً بالرسائل التي يسمعها من والديه. الكلمات الإيجابية تصنع شخصية قوية، بينما الكلمات السلبية تهدم الثقة بالنفس. ولذلك نجد أن أمهات العلماء والعظماء كنّ يزرعن في أبنائهن الثقة والتميز منذ الصغر، حتى تتكون لديهم صورة إيجابية عن أنفسهم تتحقق لاحقاً في الواقع. ٢- تعليم الابن تقبل ذاته من الأخطاء التربوية الخطيرة السخرية من الأبناء أو مقارنتهم بغيرهم؛ لأن ذلك يدمر شخصيتهم ويجعلهم يفقدون الرضا عن أنفسهم. ينبغي أن يشعر الابن أنه مقبول ومحبوب كما هو، وأن له قيمة خاصة تميزه عن غيره. فتقبل الذات من أهم أسباب السعادة والصحة النفسية. ٣- تعزيز الإنجاز وتحمل المسؤولية كلما شعر الابن بأنه قادر على الإنجاز ارتفعت قيمته الذاتية. قال النبي ﷺ: «قيمة كل امرئ ما يحسن». ولذلك يجب تشجيع الأبناء على أي إنجاز ولو كان بسيطاً، وعدم التقليل من أعمالهم. وقد كان النبي ﷺ يعزز الثقة في أصحابه، كما فعل مع بلال رضي الله عنه حين بشّره بالجنة بسبب محافظته على ركعتين بعد كل وضوء، فشعر بلال بقيمة عمله وأثره العظيم. كما أن إعطاء الأبناء مسؤوليات مناسبة لأعمارهم يزرع فيهم الثقة بالنفس ويشعرهم بأهميتهم وقدرتهم على النجاح. وفي النهاية، فإن بناء تقدير الذات لدى الأبناء يعني أن نربي أبناءنا على حب ذواتهم حباً متوازناً قائماً على القيم والإيمان والإنجاز. والإسلام علّمنا ذلك في قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فالإنسان الذي يعرف قيمة نفسه ويحترمها، يكون أكثر قدرة على احترام الآخرين والعطاء لهم. وهكذا تتشكل الشخصية القوية الواثقة بالله ثم بنفسها، شخصية تعتز بدينها وأخلاقها وقيمها، وتسير في الحياة بثبات وطمأنينة. بقلم : عبد الرزاق حسن طبر