الطفل صفحةٌ بيضاء، وروحٌ غضّة، وقلبٌ يتأثر بكل كلمة تُقال له، وبكل نظرة تقع عليه، وبكل أسلوب يُعامل به.

 والتربية ليست مجرد أوامر تُلقى، ولا نواهي تُفرض، بل هي بناءٌ للنفس، وغرسٌ للقيم، وتشكيلٌ للشخصية.

 والكلمة في حياة الطفل قد تكون نورًا يهديه، وقد تكون جرحًا يرافقه طويلًا؛ لذلك كان لزامًا على المربّي أن يزن عباراته، وأن يختار أساليبه بعناية ورحمة.

ومن أخطر ما يواجه الطفل في تربيته تلك الأساليب السلبية التي تضعف شخصيته وتهزّ ثقته بنفسه وتفسد الطمأنينة في قلبه.

فأول تلك الأساليب الصراخ؛ فهو لا يبني حوارًا، ولا يفتح بابًا للتفاهم، بل يقطع حبل التواصل بين القلوب. فحين يصرخ الكبير ينشغل بتفريغ غضبه، وينشغل الطفل بالدفاع عن نفسه، فيضيع المعنى، ويغيب التفاهم، ويحل الخوف مكان الأمان.

والطفل بطبعه شديد التأثر بالصوت المرتفع، فيرتجف قلبه، ويضطرب شعوره، ويشعر بأن الطمأنينة قد انسحبت من عالمه.

ثم يأتي التأنيب واللوم المتكرر؛ فهناك من لا يعرف في التربية إلا العتاب واللوم، حتى تصبح كلمات التقريع لغةً يومية، فينمو الطفل وهو يسمع عبارات التوبيخ أكثر مما يسمع كلمات التشجيع، فتضعف همته، ويقلّ إقباله، وتخبو ثقته بنفسه.

ومن الأساليب المؤذية كذلك أوامر الكيفية ونواهيها؛ كأن يُؤمر الطفل بلا تفسير: اجلس، قف، افعل، لا تفعل. فحين تُلقى الأوامر مجردة من الحكمة والشرح، يشعر الطفل أنه آلة تتلقى التعليمات، لا إنسان يُفهم ويُقنع ويُحترم.

 أما حين تُربط الأوامر بسبب واضح، ويقال له بلطف: اهدأ يا بني لأن أباك يصلي، أو لا تلعب هنا لأن المكان خطر عليك؛ فإنه يتعلم ويطمئن، ويدرك المعنى، ويشعر بالرحمة قبل الأمر.

ومنها كثرة التهديدات، سواء جاءت بصوت مرتفع أو في صورة لطيفة؛ فالتهديد لا يزرع الاطمئنان، ولا يبني شخصية ثابتة، بل يربك الطفل ويجعله يعيش في دائرة من القلق والترقب، فيفقد الثقة بنفسه وبمن حوله.

ويأتي بعد ذلك الاستهزاء والسخرية، وهما من أشد ما يجرح الطفل. فقد يخطئ في لفظ كلمة، أو يتردد في حديثه، أو يعجز عن التعبير، فيُقابل بالسخرية أمام الناس، فينطوي قلبه، ويخجل من نفسه، وربما آثر الصمت على الكلام.

بينما الكلمة المشجعة والابتسامة الحانية تفتح له أبواب الثقة وتعينه على تجاوز ضعفه.

أما الشتم فهو من أقسى الأساليب أثرًا؛ لأن الطفل يرى في أبويه أو معلميه قدوة، فيصدق ما يسمعه منهم.

فإذا وُصف بصفة سيئة آمن بها، وربما حملها في داخله سنين طويلة، حتى يظن أنه كما قيل له.

 والكلمة الجارحة قد تترك في النفس أثرًا لا تمحوه الأيام بسهولة.

وكذلك المقارنة بين الأبناء؛ فهي تكسر المعنويات، وتزرع الغيرة، وتُشعر الطفل بالنقص، وكأن قيمته مرتبطة بغيره.

والمقارنة التربوية النافعة الوحيدة هي أن يُقارن الطفل بنفسه: أين كان، وإلى أين وصل، وما الذي تحسن فيه.

ومن الأخطاء كذلك المبالغة في الوعظ؛ فإن النفوس تملّ التكرار، والقلوب تُقبل على الكلمة إذا جاءت في وقتها وبقدرها، أما إذا تحولت الموعظة إلى حديث دائم فقد تنقلب إلى نفور وملل.

ويُعد سوء الظن بالأبناء من أكثر الأساليب إفسادًا للعلاقة؛ لأنه يهدم الثقة، ويزرع الحواجز، ويجعل الطفل يشعر بأنه متهم قبل أن يتكلم، ومراقب قبل أن يخطئ.

ويليه الاتهام دون تثبت؛ حين يُرمى الطفل بخطأ لم يُتحقق منه، أو تُنسب إليه أمور قبل سماع كلامه، فيشعر بالظلم، ويضعف ارتباطه بمن يربيه.

ومن أقسى ما يواجهه الطفل العقاب المهين؛ لأن العقوبة إذا نزعت الكرامة لم تعد إصلاحًا، بل صارت ألمًا وجرحًا داخليًا.

وكذلك التجريم والمبالغة في تصوير الخطأ؛ فربما أخطأ الطفل خطأ يسيرًا، فإذا به يُعامل وكأنه اقترف جرمًا عظيمًا، فيكبر الخطأ في نفسه، ويكبر معه الخوف.

ومن الأساليب الثقيلة على النفوس المنّ على الأبناء؛ كتكرار التذكير بالتعب والنفقة والجهد، فإن الطفل بحاجة إلى الحنان لا إلى إشعاره بأنه عبء ثقيل.

 ويأتي أيضًا التحذير المفرط؛ فالإفراط في التخويف يُضعف الجرأة ويزرع القلق، ويجعل الطفل مترددًا في كل خطوة.

وأخيرًا الانتقاد المستمر؛ فإن الطفل إذا لم يسمع إلا ملاحظات اللوم، ولم يجد من يثني على جهده، بدأ يرى نفسه ناقصًا مهما حاول، فيفقد الحافز وينطفئ الإبداع.

وهكذا يتبين أن التربية ليست قوة صوت، ولا كثرة أوامر، ولا شدة لوم، وإنما هي رحمة وعدل وصبر وفهم.

فالطفل لا يحتاج إلى من يكسر جناحيه، بل إلى من يعلمه كيف يطير، ولا إلى من يزرع في قلبه الخوف، بل إلى من يملؤه أمنًا وثقة.

والكلمة الطيبة تربي، والرفق يصنع، والرحمة تبني، ومن أحسن إلى قلب الطفل أحسن إلى مستقبله، ومن زرع فيه الطمأنينة والثقة أنبت بإذن الله إنسانًا نافعًا كريم النفس، قوي الشخصية، حسن الخلق.

 

بقلم : عبد الرزاق حسن طبر