مشكلة العامي بين الشيخين - حيرة بين الأدلة العامي من البشر، وهم خلاف الخاصة، ويمثلون الغالبية العظمى من الناس.

 لا يعرفون من دينهم إلا ما يسمعونه من العلماء - علماء الشريعة - وهذا أمر معروف في تاريخ البشرية كله، بل هو من سُنن الله الأبدية في خلقه:

 أن يكون هناك عالم وجاهل، وسائل ومجيب.

 ومشكلة هؤلاء العامة أنهم لا يُفرّقون بين الشيخ الصادق المخلص والكاذب المرتزق، ولا بين العالم بدينه والجاهل عنه، ولا بين الراسخ والمبتدئ.

فكل من يُلقي خاطرة أو محاضرة في مسجد أو في مكان ما يُعتبر عندهم عالماً وشيخاً.

بل في القرى النائية فكل من يقرأ القرآن و»المولد النبوي» فهو عندهم عالم دين.

 والأغرب من ذلك كله ما يجري بين الجماعات والطوائف الدينية، فكل طائفة تعتبر شيخها هو العالم المتمكن في فهم الدين.

إنك تجد شيخ دولة ما يفتي حسب مصلحة النظام، وترى شيخ المعارضة فيها يفتي حسب مصلحة المعارضة، وشيخ الطائفة أو الجماعة الفلانية كذلك يفتي حسب مصلحة الجماعة.

 والغريب - عند من لا يفهم دينه - أن الجميع يستدلون بنصوص دينية صحيحة من القرآن ومن السنة!

وكأن المعركة بين العلماء، وليست بين الساسة أو الأحزاب.

فمن يُصدّق هذا المسكين من العامة الذي لا يعرف دينه؟

وكيف يعرف الصادق من الكاذب من هؤلاء العلماء؟

 يُحكى عندنا أن أحد الأعراب سمع شيخاً يُحرّم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وآخر يُحرّم استدبارها، وثالث يُحرّم استقبال المشرق أو استدباره، فلم يفعل المسكين إلا أن استلقى على قفاه، مستقبلاً نحو السماء، وبال على نفسه، مشتكياً إلى ربه من أقوال العلماء المتضادة المتنافية.

 هذه هي مشكلة العامة وكل من لا يعرف دينه في كل العصور.

 قد يكون العامة من الناس معذورين في مشكلتهم هذه؛ لكن الغرابة أن ترى مثقفاً يدّعي العلم، ومع ذلك يقع في نفس الورطة!

 بحيث يُصدّق من لا يستحق، ويدافع عن من لا يستاهل من رجال الدين بحجة أنه على حق.

 نحن لا نستطيع أن نميز بين الذين يُنسبون إلى العلم الشرعي - وهم كثيرون - صالحهم من طالحهم، إلا إذا تفقهنا نحن في ديننا.

 والتفقه في الدين لا يعني قراءة كتاب أو كتابين في الشريعة، كما يفعل بعض الأفراد المنتمين إلى بعض الطوائف الدينية.

وإنما يعني فهم أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها، وأن يصير الإنسان فقيهاً ثابتاً راسخاً، ضبط أصول الشريعة وفروعها، وصار قادراً على استنباط الحكم بدليله.

وهذا لا يأتي إلا بعد تعلم وقراءة مكثفة لمراجعها الأصلية على أهل التخصص في المساجد والمراكز، وبلغة الأم إن أمكن، حتى يفهم المتعلم المعاني الحقيقية لمصطلحات التخصص، وينكشف له الغطاء عن الأمور المبهمة، ويعرف دينه على حقيقته.

وحينها سيفرق بين الشيخ الذي هو على الحق، وبين البعيد عنه المفتري على دينه عن قصد أو جهل أو مصلحة.

 وقد يكون الحل عند العامي عندما يواجه مثل هذه الإشكالية:

أن يلتزم بشيخ واحد يثق في علمه ودينه، وعليه أن لا يبحث عن الرخص في الدين، فيسأل الشيخ الذي يحلل له ما يريد، فإن تتبع الرخص نوع من الزندقة.

 كما أن عليه أيضاً أن يجعل الورع طريقه في العمل بالنص، فإذا تساوت الأدلة لديه، ووجد نفسه حيراناً، اختار الأحوط لدينه، والتزم بقوله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

أما نصيحتي لبعض طلاب العلم فهي الاحترام لما اختلف فيه العلماء، فهم جميعاً علماء وإن اختلفوا في بعض المسائل، فلا تسب شيخاً لأنه اختلف مع شيخك في مسألة. فاختلاف العلماء لا يعني أبداً أن أحدهم في ضلال، إلا إذا كان الشيخ معروفاً بالضلال عند الناس، فعليك أن تبتعد عن فتواه، فالناس شهداء الله في الأرض، والأمة لا تجتمع على ضلالة.

 

بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة