الأساس الرابع: تربية الأبناء مهمة تحتاج إلى معونة الله من أعظم الأسس التي ينبغي أن يستحضرها الآباء والأمهات في رحلة التربية أن تربية الأبناء ليست جهدًا بشريًا مجردًا، ولا مهارةً تُكتسب بالخبرة وحدها، وإنما هي مهمة عظيمة تحتاج قبل كل شيء إلى عون الله وتوفيقه ومدده.
فالوالدان مهما امتلكا من حبٍّ وحرصٍ وخبرةٍ ووسائل نافعة، يبقى القلب بين أصابع الرحمن، والهداية بيد الله وحده، والصلاح منحةٌ يهبها الله لعباده.
لذلك كان من أعظم ما يعين الوالدين على أداء هذه الرسالة أن يفتقرا إلى الله بصدق، وأن يرفعوا أكف الضراعة إليه في الليل والنهار، يسألونه صلاح الأبناء، وحسن أخلاقهم، وثباتهم على الحق، وبرَّهم بوالديهم، وفلاحهم في الدنيا والآخرة.
فالدعاء للأبناء ليس أمرًا عارضًا في حياة المسلم، بل هو باب عظيم من أبواب التربية، يسبق الأخذ بالأسباب، ويصاحبها، ويستمر بعدها.
فالوالد يدعو قبل أن يبذل جهده، ويدعو وهو يبذل، ويدعو بعد أن يبذل، مستعينًا بالله، متوكلًا عليه، راجيًا منه القبول والبركة.
وقد علّمنا القرآن الكريم هذا المعنى من خلال دعوات الأنبياء والصالحين. فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهو أبو الأنبياء، لم يعتمد على مكانته ولا على جهده وحده، بل لجأ إلى ربه متضرعًا قائلًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وهذا نبي الله زكريا عليه السلام يناجي ربه بقلبٍ ممتلئ رجاءً: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وفي وصف عباد الرحمن يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
كما ضرب القرآن مثالًا عظيمًا في أمٍّ صالحة هي امرأة عمران حين رفعت دعاءها إلى الله قائلة: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
إن في هذه النماذج القرآنية رسالة واضحة لكل أب وأم: لا تحملوا همّ التربية وحدكم، ولا تعتمدوا على أنفسكم فقط، بل اجعلوا الدعاء سلاحًا ملازمًا، والتضرع إلى الله رفيقًا دائمًا. وقد كان من عادة كثير من الآباء الصالحين أن يكثروا من صلاة الليل، ويغتنموا وقت السحر في الدعاء والابتهال، يسألون الله أن يحفظ أبناءهم ويصلحهم ويبارك فيهم.
ويُروى أن طفلًا رأى والده قائمًا في جوف الليل يصلي ويبكي، فقال له: يا أبي، لِمَ كل هذا؟ فقال الأب: من أجلك يا بني.
ما أعظمها من كلمة!
وما أصدقها من تربية! فكم من دعوةٍ صادقة في ظلمة الليل كانت سببًا في هداية ولد، أو حفظ شاب، أو صلاح أسرة كاملة.
إن أبناءنا أمانة عظيمة، والتربية مسؤولية كبيرة، وأصدق ما يقدمه الوالدان لأبنائهم بعد حسن الرعاية والتوجيه: قلبٌ متعلق بالله، ولسانٌ لا يفتر عن الدعاء لهم.
فلنُكثر من الدعاء لأبنائنا، ولنرفع أكفنا إلى الله في كل حين، سائلين ربنا أن يهب لنا ذرية صالحة، وأن يجعل أبناءنا قرة أعين، وأن ينفع بهم دينهم وأمتهم، وأن يبارك فيهم في الدنيا والآخرة.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر