الأساس الخامس: حسن اختيار الزوجين تبدأ تربية الأبناء قبل ولادتهم بسنوات، وتحديدًا من اللحظة التي يُحسن فيها الإنسان اختيار شريك حياته؛ فاختيار الزوج أو الزوجة ليس قرارًا عابرًا، بل هو من أعظم القرارات بعد الإيمان بالله تعالى، لما يترتب عليه من بناء أسرة وصناعة جيل وتربية أبناء يحملون قيم الدين والخلق والصلاح. فمن أراد أبناءً نجباء، صالحين، ذوي أدبٍ وخير، فعليه أن يُحسن الاختيار من البداية.
وعلى الرجل أن يبحث في زوجته عن الدين والخلق والصلاح، كما أن على المرأة أن تختار من الزوج من عُرف بحسن السيرة وكريم الخلق واستقامة الدين.
فالتربية لا تبدأ بعد الميلاد، وإنما تبدأ من أول لبنة في هذا البناء: اختيار الزوجين.
ولهذا ينبغي للبنات المقبلات على الزواج، وللأمهات اللواتي لهن بنات على مشارف هذه المرحلة، أن يتأملن هذه الحقيقة جيدًا؛
فكلٌّ من الزوجين شريك في صناعة الأبناء، وكلٌّ منهما يترك أثره في تربيتهم ومستقبلهم، ومن اختار زوجًا صالحًا أو زوجة صالحة فقد أحسن الاختيار لأولاده من بعده.
وقد شبّه أهل الحكمة الزوجين بالبيت من الشعر؛
فلا يستقيم إذا كان شطره الأول محكمًا وشطره الثاني ضعيفًا متخاذلًا، وإنما يكتمل الجمال حين يتكامل الطرفان ويتساندان في بناء الأسرة وتربية الأبناء.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا الأصل العظيم، فقال: «تخيروا لنطفكم»، والمعنى: أحسنوا اختيار المواضع الصالحة التي تنشأ فيها الذرية، فإن الأبناء يتأثرون ببيئتهم وأصولهم وأخلاق أسرهم، ويكتسبون من آبائهم وأمهاتهم وأهلهم صفاتٍ ومزايا ظاهرة وخفية.
ومن هنا كان من المهم لكل شاب مقبل على الزواج، ولكل فتاة يُطرق بابها، أن يبحث كلٌّ منهما في صفات الطرف الآخر بعناية وتأمل، وأن يقدّم الدين والخلق وحسن الأصل على غيرها من الأمور الزائلة.
ومن الصفات التي ينبغي التأكيد عليها في هذا الباب: الحسب والخلق؛ والحسب ليس الغنى، وليس الشهرة المجردة، وإنما المقصود به صلاح الأصل، وحسن التربية، وسلامة الترابط الأسري، ووجود بيئة معروفة بالاستقامة والخلق الحسن.
فكثيرًا ما يتأثر الأبناء بما ورثوه من آبائهم وأمهاتهم، بل ومن أعمامهم وأخوالهم وأجدادهم، فالأصول الطيبة تترك أثرها في الفروع، والبيت الصالح يورث بإذن الله أثرًا طيبًا في الأجيال.
وفي سورة الكهف يذكر الله تعالى قصة الغلامين اليتيمين حين أقام الخضر الجدار، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.
فكان صلاح الأب سببًا في حفظ الأبناء ومالهم، حتى بعد غيابه، وفي ذلك دلالة عظيمة على أثر صلاح الأصول في صلاح الفروع.
وعندما يجتمع في الولد عامل الوراثة الصالحة، مع التربية الناجحة، ومع توفيق الله تعالى وعونه، يبلغ الأبناء أعلى مراتب الخير والدين والخلق.
وقد أوصى عثمان بن أبي العاص أبناءه فقال: «يا بني، النكاح مغترس، فلينظر امرؤ أين يضع غرسه»؛ وهي وصية جامعة تُذكّر بأن الزواج غرسٌ مبارك، وثمرته أبناء يحملون آثار هذا الاختيار.
ولهذا فإن النصيحة لكل شاب يستعد للزواج، ولكل فتاة يقرع الخاطبون بابها: ألا يُقدموا على هذا الباب إلا بعد النظر في الدين والخلق وحسن الأصل؛ لأن الزواج ليس ارتباط يوم أو عام، بل بناء مستقبل وأسرة وجيل.
كما أن من الخير للأسر التي لديها بنات صالحات في سن الزواج أن تُعين على تزويجهن من الأكفاء من أهل الدين والخلق، كما فعل الصالحون من قبلنا؛
فقد زوّج نبي الله شعيب عليه السلام إحدى ابنتيه لموسى عليه السلام، وخطب عمر رضي الله عنه لابنته حفصة، وذكر الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: «باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير».
فبطيب الأصول تطيب الفروع، وبحسن الاختيار تستقيم البيوت، وتبدأ رحلة التربية على أساس متين.
إن تربية الأبناء تبدأ من اختيار الزوجين، وإذا أُحسن الاختيار من البداية، كانت الأسرة أقرب إلى السكينة، والأبناء أقرب إلى الصلاح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر