الأساس السادس:النفقة الحلال وأثرها في تربية الأبناء تتأثر تربية الأبناء تأثراً كبيراً بنوع النفقة التي ينفقها الوالدان عليهم؛ أهي من الحلال أم من الحرام؟

فالنفقة ليست مجرد طعام وشراب وكسوة، بل هي لبنة أساسية في بناء شخصية الأبناء وصلاحهم أو فسادهم.

 وقد أوجب الإسلام على الزوج النفقة على زوجته وأولاده، فأما الزوجة فنفقتها واجبة ما دامت في عصمته، وأما البنات فحتى يتزوجن أو يستغنين، وأما الأبناء فحتى يستطيعوا الكسب.

وجاء في كتاب «تربية الأولاد في الإسلام» لعبد الله ناصح علوان أن النفقة على الأهل والولد واجبة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وقول النبي ﷺ: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك».

وإذا كان الأب مأجوراً على التوسعة على أهله والإنفاق على عياله، فإنه يأثم إذا قصّر في النفقة وهو قادر عليها.

كما أن قيمة النفقة لا تقاس بمقدارها فحسب، بل بمصدرها أيضاً. 

فالمال الحلال يباركه الله وينبت به الأبناء نباتاً حسناً، أما المال الحرام فيترك آثاره السلبية على الأسرة والأجيال.

 ومثل الوالد في ذلك كمثل المزارع الذي يسقي زرعه؛ فإن سقاه ماءً طيباً أثمر زرعاً طيباً، وإن سقاه ماءً فاسداً أفسد زرعه. فمن أطعم أبناءه من الحلال رقَّ طبعهم، وحسن أدبهم، وطاب معدنهم، ومن أطعمهم الحرام أفسد نشأتهم وأرهق مستقبلهم.

وقد بيّن النبي ﷺ عظيم أجر النفقة الحلال بقوله: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة».

أما إذا كان المال مكتسباً من الحرام فإن صاحبه يحمل وزره، ولا ينال به أجراً. ومن أروع النماذج التي تبين أثر النفقة الحلال قصة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب «صحيح البخاري».

فقد كان والده إسماعيل رجلاً صالحاً حريصاً على الحلال، حتى إنه قال وهو على فراش الموت: «والله ما أدخلت جوفي، ولا إلى جوفكم، لقمة حرام».

فبارك الله في ذريته، وجعل ابنه من أعظم علماء الأمة، وما زال المسلمون يترحمون عليه وعلى والديه إلى يومنا هذا. 

ومن النماذج المشرقة كذلك قصة بائعة اللبن المشهورة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فقد رفضت الفتاة أن تخلط اللبن بالماء امتثالاً للأمان ة وخوفاً من الله، وقالت لأمها: «إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا».

فأعجب عمر بأمانتها، وكان من نسلها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وهكذا يصنع الحلال جيلاً صالحاً وقادة عظماء. وفي المقابل، تروي لنا الحياة صوراً مؤلمة لأثر المال الحرام.

فقد يجمع بعض الناس ثروات طائلة دون مبالاة بالحلال والحرام، وينفقونها على أبنائهم في أفضل المدارس وأرقى وسائل العيش، لكنهم يحصدون في النهاية عقوقاً وجفاءً.

 فكم من أبٍ جمع المال بطرق محرمة، ثم وجد أبناءه يتنازعون على ثروته أو يسيئون إليه في كبره، فيكون أول من يذوق مرارة المال الحرام.

ولذلك كانت المرأة الصالحة في السلف تقول لزوجها إذا خرج إلى السوق: «يا رجل، اتق الله فينا، فإنا نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار».

وهي كلمات عظيمة تختصر أهمية تحري الحلال في المكسب والنفقة.

 إن بناء الأبناء لا يكون بالتعليم والرفاهية وحدهما، بل يبدأ من لقمة نظيفة ومال طيب يدخل البيت.

ومن هنا تبرز أهمية تعلم أحكام الحلال والحرام في البيع والشراء وسائر المعاملات المالية، واجتناب كل كسب مشبوه أو محرم.

وقد حذر النبي ﷺ من التهاون في هذا الأمر فقال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه».

 إن النفقة الحلال ليست مجرد واجب شرعي، بل هي استثمار حقيقي في صلاح الأبناء واستقامة الأسرة وبناء المجتمع.

 فمن أراد ذرية صالحة ومستقبلاً مشرقاً لأبنائه، فليحرص أولاً على أن تكون نفقته من الحلال، فإن الثمار الطيبة لا تنبت إلا من غرس طيب.

 

 بقلم: عبد الرزاق حسن طبر