لازم نعترف... لا نستطيع لا أقصد بالاعتراف هنا الاعتراف بالخطأ، فهذا موضوع تكلم عنه الناس كثيراً.

وإنما أقصد الاعتراف بشيء آخر، وهو أن نعترف أحياناً بأننا لا نستطيع. 

كثير من الناس يظنون أن قول: «لا أستطيع» ضعف أو نقص، بينما أراه نوعاً من الشجاعة والصدق.

 فالإنسان لا يصبح كبيراً لأنه يدّعي القدرة على كل شيء، وإنما لأنه يعرف حدوده ويعترف بها.

المشكلة أننا نعترف بالحقيقة لأنفسنا، لكننا لا نعترف بها للناس.

لذلك نلجأ إلى الأعذار والتبريرات بدلاً من الكلام الواضح والصريح. 

قد نرى مظاهر التجاوزات والاختلالات في كثير من الأماكن، ونتحدث عنها في المجالس ووسائل التواصل، لكن عندما يُطلب من أحدنا أن يتخذ موقفاً أو أن يقوم بشيء مؤثر، يبدأ في البحث عن المبررات.

ولو قال ببساطة: «لا أستطيع» لكان ذلك أصدق من كثير من الكلام.

وفي المؤسسات تجد أحياناً إدارة تعاني من ضعف التخطيط أو قلة الموارد أو سوء التنظيم.

 فإذا سألت المسؤول عن السبب، نادراً ما يقول إن صلاحياته محدودة أو إن الأمر أكبر من قدرته، بل يبدأ في سرد الأعذار وإلقاء اللوم على الظروف.

والحقيقة أن الاعتراف بالمشكلة وبحدود القدرة على حلها هو أول خطوة نحو العلاج.

ومن أكثر المجالات التي نحتاج فيها إلى هذه الشجاعة مجال العلم والفتوى.

فكثير من الناس يتحدثون في كل شيء وكأنهم خبراء في كل شيء.

 وقليل من يستطيع أن يقول: «لا أدري».

مع أن العلماء كانوا يعدّون هذه الكلمة من الأمانة والعلم، لأنها تعني أن الإنسان لا يقول ما لا يعلم.

 وفي حياتنا الخاصة نجد صوراً أخرى من عدم الاعتراف بالحقيقة. فبعض الناس مثلاً يكون متزوجاً باثنتين أو ثلاث أو أربع، فإذا سُئل عن أهله لم يتحدث إلا عن زوجته الأولى، وكأن الباقيات غير موجودات.

 وقد يلجأ إلى عبارات مختلفة ليتهرب من الإجابة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك كله؛ فهو لا يريد أن يواجه نظرة الناس أو تعليقاتهم، لذلك لا يعترف بالأمر كما هو.

إن الصدق مع النفس ومع الآخرين ليس أمراً سهلاً، لكنه من صفات أصحاب النفوس الكبيرة.

 وكما يقول الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه «تكوين المفكر»، فإن البحث عن الحقيقة والتمسك بها من صفات المفكرين والعظماء.

ولهذا أرى أننا بحاجة إلى أن نتعلم قول: «لا أستطيع» عندما لا نستطيع، و»لا أدري» عندما لا ندري، وأن نتوقف عن تغطية الحقيقة بالأعذار والكلمات الجميلة.

فالاعتراف بالواقع لا يضعف الإنسان، بل يجعله أكثر صدقاً واحتراماً.

 

بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة