الأساس السابع: التربية الناجحة تعتمد على التدرج لا على الطفرة من الأخطاء التربوية الشائعة أن يغيب الأب أو الأم سنوات عن متابعة الأبناء، ثم يعود فجأة راغبًا في تغيير كل شيء دفعة واحدة؛ فيريد من أبنائه التأدب والتعلم والالتزام وتحمل المسؤولية في زمن قصير.

 غير أن التربية ليست قرارًا لحظيًا ولا تحولًا مفاجئًا، بل هي عملية بناء متدرج يقوم على الصبر والاستمرار.

وقد عرّف العلماء التربية بأنها: إنشاء الإنسان وإصلاحه شيئًا فشيئًا حتى يبلغ حد الكمال الممكن له.

 ومن هنا كان التدرج سنة إلهية في الكون والحياة، وأساسًا من أسس التربية الناجحة.

 يرى المختصون في التربية وعلم النفس أن لكل مرحلة عمرية حاجاتها الخاصة، ولكل سن معارف وقيم ومهارات تناسبه.

والمربي الناجح هو الذي يعرف ما يحتاجه الطفل في كل مرحلة، ثم يقدمه له في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب.

فالتربية أشبه ببناء متين يضع الوالدان لبناته يومًا بعد يوم، حتى يكتمل البناء ويشتد عوده.

 ولعل قصة شجرة الخيزران تقدم مثالًا بليغًا على قيمة التدرج.

فهذه النبتة تُسقى سنوات طويلة دون أن يظهر منها شيء فوق سطح الأرض، حتى يظن البعض أن الجهد ضاع سدى.

ثم تبدأ بعد سنوات قليلة بالنمو السريع حتى تصل إلى ارتفاعات كبيرة.

والسبب أنها كانت خلال تلك السنوات تبني جذورًا قوية في أعماق الأرض تمكنها من الثبات والنمو.

وكذلك التربية؛ فالكثير من القيم والأخلاق تُغرس بهدوء وصبر، وقد لا تظهر نتائجها مباشرة، لكنها تؤتي ثمارها في الوقت المناسب.

 وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤكدة لهذا المبدأ العظيم؛

 فالقرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل مفرقًا خلال ثلاث وعشرين سنة، كما أن بعض الأحكام الشرعية شُرعت بالتدرج مراعاة لأحوال الناس واستعدادهم للتغيير.

وهذا يدل على أن التدرج منهج رباني يراعي طبيعة النفس البشرية.

ومن أجمل النماذج في ذلك ما روي عن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حين طلب منه ابنه عبد الملك الإسراع في تنفيذ الإصلاحات، فقال له: إن الله ذم الخمر في آيات قبل أن يحرمها تحريمًا قاطعًا، ثم بين أنه يخشى أن يحمل الناس على الحق دفعة واحدة فيتركوه دفعة واحدة.

 إنها حكمة التدرج التي تراعي الواقع وتحقق الإصلاح الدائم.

وفي المجال النفسي، يعتمد المختصون على ما يسمى بـ»التعريض التدريجي»، فحين يخاف الطفل من الظلام لا يُجبر على مواجهته دفعة واحدة، بل يُدرَّب عليه خطوة بعد خطوة حتى يزول خوفه.

وهذا يؤكد أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى مراحل متدرجة لا إلى قفزات مفاجئة.

كما أن التربية الإيمانية نفسها تقوم على التدرج.

فقد رُوي عن عبد الله الدستوري أنه تعلم من خاله ذكر الله بكلمات قليلة يرددها في قلبه، ثم زادها تدريجيًا حتى استقرت مراقبة الله في نفسه وأصبحت خلقًا وسلوكًا دائمًا. وهكذا تُبنى النفوس وتُغرس القيم.

 إن العجلة عدو التربية الأول، فبعض جوانب الشخصية لا يصلحها إلا الزمن، وبعض المهارات لا تنمو إلا بالممارسة المتكررة، وبعض القيم تحتاج إلى سنوات حتى تترسخ.

لذلك فإن المربي الحكيم لا يطالب ابنه بالكمال الفوري، بل يضع له أهدافًا متدرجة، وينتقل به من مرحلة إلى أخرى حتى يبلغ الغاية المنشودة.

إن التربية الناجحة ليست طفرة مفاجئة، بل رحلة طويلة من الصبر والمتابعة والتدرج.

ومن أدرك هذه الحقيقة استطاع أن يبني أبناءً ثابتين في أخلاقهم، راسخين في قيمهم، قادرين على مواجهة الحياة بثقة ووعي.

 قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، وهي قاعدة عظيمة تؤكد أن لكل إنجاز زمنه، ولكل ثمرة موعد نضجها، وأن التربية من أعظم الميادين التي تحتاج إلى الصبر والتدرج حتى تؤتي أكلها بإذن الله.

 

بقلم : عبد الرزاق حسن طبر