«التشدد في الحضور والانصراف» يعتقد بعض المديرين أن الإدارة الناجحة تتمثل في الرقابة الصارمة على أوقات الحضور والانصراف، فيركزون معظم اهتمامهم على دقائق التأخير وساعات الدوام، بينما يهملون جودة الأداء والإنتاجية وتحقيق الأهداف.

ومع أن الالتزام بالدوام أمر مهم، فإن تحويله إلى الشغل الشاغل للمدير ليس من الإدارة الحقيقية.

لماذا لا يُعد هذا إدارة؟ لأن الإدارة لا تُقاس بعدد الموظفين الموجودين خلف مكاتبهم، بل بما يحققونه من نتائج.

فحضور الموظف في الوقت المحدد وسيلة من وسائل الانضباط، وليس الهدف النهائي للإدارة.

فقد يحضر الموظف مبكراً كل يوم دون أن يحقق نتائج تُذكر، بينما قد يحقق موظف آخر إنجازات كبيرة مع وجود بعض المرونة في الوقت.

إن المدير الذي يقضي معظم وقته في متابعة الحضور والانصراف يشبه من يراقب عداد السيارة وينسى الطريق الذي يسير فيه.

فالمهم ليس وجود الموظف في مكان العمل فحسب، بل ما يقدمه من إنتاج وجودة وأفكار ومبادرات.

 ولا شك أن هذا السلوك يجعل اهتمام الموظفين ينصرف إلى إرضاء نظام الحضور بدلاً من تحقيق النتائج، ويشعرهم بأن الإدارة تهتم بالمظاهر أكثر من الإنجازات.

كما يقتل الدافعية والإبداع لديهم، ويخلق بيئة عمل تركز على الرقابة أكثر من الأداء، ومن هنا يفقدون الحماس ويظنون أن الجهد والإبداع لا قيمة لهما.

هذا ما نراه في مؤسساتنا، فنجد كثيراً من الموظفين يحرصون على الحضور المبكر والبقاء حتى نهاية الدوام، لكنهم لا يقدمون عملاً يوازي الوقت الذي قضوه في المكتب.

وهنا تتحول الإدارة من إدارة للنتائج إلى إدارة للساعات.

 هذا لا يعني التساهل مع الفوضى أو إهمال الأنظمة، فاحترام أوقات العمل واجب على الجميع، لكن الحكمة تكمن في التوازن.

 فعلى المدير أن يوازن بين الانضباط الوظيفي وتحقيق النتائج، فيجعل الالتزام بالدوام جزءاً من منظومة الأداء، وليس المعيار الوحيد للحكم على الموظفين.

 وهناك قاعدة إدارية مهمة تقول: الإدارة الناجحة لا تسأل فقط: «متى حضر الموظف؟»

 بل تسأل أيضاً: «ماذا أنجز؟

وما القيمة التي أضافها للعمل؟».

المدير الناجح يهتم بالانضباط، لكنه يهتم أكثر بتحقيق الأهداف.

 يراقب الالتزام، لكنه لا يجعل منه المعيار الوحيد للحكم على الموظفين.

 فهو يعلم أن المؤسسة لا تتقدم بعدد ساعات الحضور، بل بما يُنجز خلالها.

لذلك، لا تجعل بطاقة الحضور والانصراف أهم من جودة العمل.

فالوقت وسيلة لتحقيق النتائج، وليس النتيجة نفسها.

والإدارة الحقيقية تبدأ عندما ينظر المدير إلى الأثر والإنجاز قبل أن ينظر إلى عقارب الساعة.

 

 بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بجامعة جيبوتي