من رحاب الحرمين الشريفين، حيث تتآلف القلوب على الطاعة والدعاء، أبعث إلى جمهورية جيبوتي قيادةً وحكومةً وشعبا أصدق التهاني بمناسبة عيد الاستقلال الوطني المجيد. ورغم أنني بعيد عن أرضها في هذه الأيام، فإن القلب حاضرٌ مع هذا الوطن العزيز، الذي عشت بين أهله، ولمست فيهم أصالة الأخلاق وصدق الانتماء.
ومن هذا الشعور الصادق، أحببت أن أشاركهم فرحتهم هذه المناسبة عيد الاستقلال بهذا المقال، وفاءً ومحبةً وتقديرا لمسيرة وطن يستحق كل خير: الاستقلال يعني صناعة مستقبل مشرق: ليست الأمم العظيمة تلك التي تنال استقلالها فحسب، وإنما تلك التي تجعل من الاستقلال نقطة انطلاق نحو بناء الإنسان والدولة، وتحويل الحرية من شعار سياسي إلى مشروع حضاري متكامل.
فالاستقلال لحظة تاريخية، أما صناعة المستقبل فهي مسؤولية تتجدد مع كل جيل.
وفي السابع والعشرين من يونيو من كل عام، تحتفل جمهورية جيبوتي بذكرى استقلالها المجيد، وهي مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال السنوي لتستحضر صفحات مشرقة من تاريخ وطن كتب أبناءه بدمائهم وعرقهم ملحمة الحرية والسيادة.
الاستقلال ثمرة صمود وعزيمة إنها ذكرى تؤكد أن الكرامة الوطنية لم تكن إلا ثمرة صمود وإرادة وعزيمة لفئة آمنت بحق الشعوب في تقرير مصيرها وصناعة مستقبلها، وأن الشعب الجيبوتي ليس بمعزل عن بقية شعب العالم.
الاستقلال تأسيس ولئن كان الماضي مصدر فخر واعتزاز، فإن قيمة الاستقلال الحقيقية تُقاس بما يصنعه الحاضر، وما يؤسس له من مستقبل.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد التاريخ وحدها، بل تبني مجدها كل يوم بالعلم، والعمل، والإنتاج، وترسيخ المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، والمحافظة على وحدة المجتمع.
من منطقة هشة إلى بوابة اقتصادية عالمية لقد استطاعت جيبوتي، رغم محدودية مواردها الطبيعية، أن تحول موقعها الجغرافي الاستراتيجي إلى مصدر قوة ونفوذ، فأصبحت بوابةً اقتصادية مهمة، ومركزًا لوجستيًا يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وعنصرًا فاعلًا في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
جهود غير محدودة ورؤية واضحة بقيادة حكيمة أن حسن الإدارة والتخطيط قادران على تحويل التحديات إلى فرص، وأن الاستثمار في الموقع والإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الموارد.
وفي هذا المسار، برزت جهود فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله في قيادة البلاد على جميع الأصعدة بدء من ترسيخ الاستقرار، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير الموانئ وشبكات النقل، إلى جذب الاستثمارات، وتوسيع الحضور الدبلوماسي لجيبوتي في محيطها الإقليمي والدولي ، وقد أسهمت هذه الرؤية في تعزيز مكانة الدولة، وجعلها شريكا موثوقا في العديد من المبادرات الاقتصادية والأمنية والتنموية.
الأمن أولا ثم تتوالى الانجازات: إذا كانت الانجازات تتمثل في المظاهر التقدمية الملموسة، فإن الحفاظ على الأمن والاستقرار يمثل أكبر الانجازات التي رسخها فخامة الرئيس جيلة، حيث أدرك من البداية أن أولى الأولويات في منطقة تعج بالتحديات، هو الأمن والأمان للوطن والمواطن، ويتبع المحافظة على هذا الإنجاز الاستثمار في التعليم، وتمكين الشباب، ودعم المرأة، وتعزيز الاقتصاد المنتج، وترسيخ ثقافة المواطنة، لأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان قبل العمران ولا تتحقق إلا في بيئة آمنة.
يوم الاستقلال يوم تجديد للعهد: إن عيد الاستقلال ليس مناسبةً لاستذكار الماضي فحسب، بل هو تجديد للعهد بأن يبقى الوطن فوق كل اعتبار، وأن تتكاتف جهود الجميع، قيادةً وشعبا، من أجل مواصلة مسيرة البناء والازدهار، فالأوطان التي تتوحد إرادتها، وتحسن استثمار إمكاناتها، وتؤمن بالعمل والإبداع، هي الأقدر على صناعة مستقبلها مهما كانت التحديات.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نتقدم بخالص التهنئة إلى قيادة جمهورية جيبوتي، وعلى رأسها فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله، وإلى الحكومة والشعب الجيبوتي الكريم، سائلين الله تعالى أن يديم على هذا البلد العزيز نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يوفقه إلى مزيد من التقدم والرخاء، وأن تبقى راية جيبوتي خفاقة بالعزة والسيادة، وأن يظل الاستقلال مصدر إلهام للأجيال القادمة في مواصلة مسيرة البناء والنهضة.
كل عام وجيبوتي أكثر استقرارا، وأكثر ازدهارا، وأكثر حضورا في محيطها الإقليمي والدولي، وكل عام وشعبها ماض بثقة وعزيمة وإصرار نحو مستقبل يليق بتاريخه وطموحاته.
الدكتور مصطفى المفلح