أزمة المتحجين: «الظروف لا تساعد» هي أزمة عامة في الظاهر، وخاصة في الحقيقة بالمثقف. فالجميع يرددها، لكن المثقف هو الذي يعانيها فعلاً.

ولو سميناها «أزمة المثقف» لكان أدق من «أزمة المتخلفين».

لماذا لا تقرأ؟

 الظروف لا تساعد. لماذا لا تبني ذاتك؟

 الظروف لا تساعد. لماذا لا تفكر؟

 الظروف لا تساعد. لماذا لا تكتب؟

ماذا لا تنتج؟ لماذا لا تتميز؟

 لماذا لماذا... قد تختلف الأسئلة لكن الإجابة واحدة، كأن الجميع تواصوا بها.

 لا شك أن القول «الظروف لا تساعد» قد يكون صحيحاً أحياناً، لكنه لا يصلح أن يكون تفسيراً دائماً لكل تأخير أو تقصير.

 لقد تحولت هذه العبارة عند كثير منا إلى أزمة مبتدعة، وإلى عائق أمام كل طموح، وإلى حجة لكل عاجز.

 بل صارت مرضاً معدياً، خاصة بين فئة المثقفين والمتعلمين، الذين يتكئون عليها دائماً ويلقون عليها أمراضهم: العجز، والكسل، والركود، والتسويف... والنتيجة الحتمية لكل ذلك هي: غياب الإنتاج، وغياب التميز، وربما تدمير الحياة نفسها.

قد لا تستغرب من مثقف تغرب له الشمس وتطلع دون أن يطالع كتاباً أو يقرأ سطراً.

لكن الأغرب أن تجده يتعذر بالبيئة وبـ «الظروف الصعبة» التي -حسب زعمه- لا تسمح له بالقراءة والاطلاع.

 حسناً، ما هي هذه «الظروف الصعبة»؟

هل هي الفقر؟

الفقر هو الذي يخترع الإنسان بسببه ويأتي بالجديد.

 وقد قيل قديماً: «الحاجة أم الاختراع».

 هل هي كثرة الأعمال والمهام؟

كيف ذلك والإنسان الذي يجلس في المقاهي من العصر إلى ما بعد العشاء، ويقضي ساعات طويلة على الهاتف ووسائل التواصل من العاملين!

 هل هذه الظروف هي حرارة المناخ في الصيف؟

وهل نقرأ في الشتاء؟

 أو عندما نصطاف في البلدان الباردة؟

 إذاً، ما هي هذه الظروف التي تمنعنا من القراءة أو من القيام بأي عمل ذي قيمة شخصية أو إنسانية؟

وهل كان الناجحون يعيشون في ظروف أفضل؟

 أم أنهم بدؤوا بما هو متاح لهم؟

 ألم يؤلف ابن خلدون مقدمته الشهيرة في ظروف سياسية مضطربة؟

 ألم يفقد طه حسين بصره في طفولته، ومع ذلك أصبح من أبرز مفكري العالم العربي؟

 ألم يكن نجيب محفوظ موظفاً حكومياً مشغولاً لسنوات طويلة، ومع ذلك واصل الكتابة حتى صار أول عربي ينال جائزة نوبل في الأدب؟

 في الحقيقة، المسألة هي التعود على الكسل بلا سبب، وإيهام النفس بأنها مشغولة.

حتى تحول الأمر إلى «ثقافة اجتماعية».

ولو افترضنا أننا مشغولون فعلاً، فهذا لا يمنعنا من تطوير ذواتنا. المسألة مسألة عزيمة وصبر وإرادة.

وقد قيل قديماً: «بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين».

وأكثر الناس إنتاجاً في العالم -من علماء وشعراء وأدباء وباحثين- هم في الغالب أكثر الناس انشغالاً. خذ لذلك أي عالم من علماء أمتنا سلفاً أو خلفاً.

 فالأمم لا تتقدم بكثرة الشكوى من الظروف، بل بكثرة الذين يعملون رغم الظروف.

اطلعت مرة على دراسة من معهد «سالك» للعلوم البيولوجية في كاليفورنيا، مفادها أن سعة ذاكرة الدماغ البشري توازي سعة الشبكة العنكبوتية العالمية، وليست المحلية أو الإقليمية.

والسؤال: ما الفائدة إذا كانت هذه الذاكرة العظيمة معطلة وغير موظفة؟

 نعم، لعبت التكنولوجيا دوراً في إضعاف هذه الذاكرة: في الحفظ، والمعالجة، والاسترجاع، وفي الابتكار والتجديد.

ولكن كل من أراد أن يوظفها ويعيد إليها عافيتها يستطيع ذلك، دون أن يلجأ إلى أعذار واهية يعرفها القاصي والداني.

 إن أي إنسان قادر على أن يجعل من نفسه عظيماً، يسجله التاريخ ويعرفه الناس.

وقد سئل أحد العظماء: كيف صرت عظيماً؟

 فقال: «أردت أن أكون عظيماً، فصرت عظيماً». إلا أن هذا يحتاج إلى سهر الليالي في البحث والقراءة والكتابة، لا إلى السهر في المقاهي ومجالس «قيل وقال»، ثم التحج بالظروف.

 بقلم د. /عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة