الدخول في كل معركة يعتقد بعض المديرين أن نجاحهم يقاس بحضورهم في كل اجتماع، والخوض في كل خلاف، والرد على كل انتقاد، والتوقيع على كل ورقة، والانتصار في كل نقاش. فيتحول المنصب عندهم إلى سلسلة من المعارك اليومية، حتى في أبسط القضايا.

والحقيقة هي أنه ليس من الإدارة أن يستحق المدير كل معركة، فالإدارة الرشيدة تعلمنا أن الإدارة ليست بطولة فردية، وأن المدير الناجح ليس هو من يكسب كل معركة، وإنما من يعرف أي المعارك تستحق أن تخاض.

 وهناك حكمة إدارية تقول: «انتصر في الحرب، ولا تخسر وقتك في كل اشتباك».

إن وقت المدير ورأس ماله الحقي هما تركيزه وطاقته. 

فإذا استنزفهما في الخصومات الصغيرة، فلن يبقى لديه ما يقدمه للقضايا الاستراتيجية التي من أجلها وضع في موقع القيادة.

ولهذا يؤكد خبراء الإدارة أن الأولويات هي جوهر العمل الإداري، وأن الانشغال بكل صغيرة وكبيرة يفقد المؤسسة قدرتها على التقدم، وينزف طاقة المدير ويقتل المبادرة في الموظفين ويضيع هيبة المدير.

يقول بيتر دراكر: «ليس هناك ما هو أقل جدوى من أن تنجز بكفاءة عالية ما لا ينبغي فعله أصلاً.» وهذه المقولة تختصر جانبًا مهمًا من الإدارة؛ فليست المشكلة في قدرة المدير على إدارة المعارك، وإنما في اختياره للمعركة الصحيحة.

كما يقرر ستيفن آر. كوفي أن الإدارة الفاعلة تعني إعطاء الأولوية لما هو مهم لا لما يبدو عاجلًا، وأن المدير الناجح لا يسمح للعاجل أن يسرق وقته من المهم.

ومن الأخطاء الشائعة أن يظن المدير أن تدخله في كل نزاع دليل على الحزم، بينما الحقيقة أن كثرة التدخل قد تضعف الفريق وتقتل روح المبادرة.

 فالمدير الذي يتصدر كل مشكلة يرسل رسالة غير مباشرة إلى موظفيه مفادها أنهم غير قادرين على حل المشكلات بأنفسهم، فيصبح الجميع معتمدين عليه في كل قرار.

 أما المدير الحكيم، فإنه يفرق بين ما يحتاج إلى تدخله المباشر، وما يمكن أن يحله أصحاب الشأن.

 فهو يفوض، ويثق، ويتابع، لكنه لا يحتكر كل قرار ولا يجعل نفسه طرفًا في كل خلاف.

ومن المبادئ التي يؤكدها كوفي أيضًا مبدأ «فكر بالمنفعة للجميع»؛ فليس الهدف من الخلاف أن ينتصر شخص ويهزم آخر، وإنما الوصول إلى حل يخدم المؤسسة ويحفظ العلاقات المهنية.

فالإدارة ليست منافسة لإثبات القوة، وإنما فن لتحقيق أفضل النتائج بأقل قدر من الصدام.

 ولذلك فإن المدير الناضج يسأل نفسه قبل الدخول في أي مواجهة: هل هذه القضية تؤثر في أهداف المؤسسة؟

 وهل يستحق حلها أن أستهلك وقتي وجهدي؟

وهل تدخلي سيحقق مصلحة المؤسسة أم مجرد انتصار شخصي؟

فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الحكمة تقتضي التجاوز، لأن التغاضي عن بعض الأمور ليس ضعفًا، بل مهارة إدارية.

 وفي القيادة شجاعتان: شجاعة التدخل وشجاعة الانسحاب، بشرط أن تعرف متى تتدخل بكل ثقلك، ومتى تقول للآخرين: «أثق بكم، حلوا الموضوع».

 وقديماً قال أحد الحكماء: «ليس الشجاع من يخوض كل معركة، وإنما من يعرف أي المعارك تستحق أن يخوضها.» وهذه الحكمة تنطبق على الإدارة أكثر من غيرها؛ فالمدير الذي ينتصر في كل نقاش قد يخسر احترام فريقه، أما المدير الذي ينتصر للمؤسسة، ولو تنازل عن انتصار شخصي، فهو الذي يترك أثرًا باقياً.

إن الإدارة ليست ساحة لإثبات الذات، بل مسؤولية لتحقيق الأهداف، وبناء فرق العمل، وصناعة بيئة يسودها الاحترام والثقة.

ومن هنا فإن المدير الناجح لا يسعى إلى كسب كل معركة، بل يسعى إلى كسب مستقبل مؤسسته.

 

 بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بجامعة جيبوتي