في حدث أدبي يُرتقب أن يشكِّل محطة بارزة في مسيرتها الإبداعية، ستدشن الكاتبة الجيبوتية المتألقة، والمستشارة في سفارة بلادنا لدى دولة قطر الشقيقة، السيدة/ زهره حسن شيخ، باكورة أعمالها، وذلك عبر عمَلين أدبيين هما: قصة «أم قطاوي» التي تسلط الضوء على سيدة رقيقة القلب تقيم في مدينة الدوحة، عُرفت بلقبها هذا لما تكنّه من محبة عميقة للقطط وسعي دائم لإحاطتها بالعناية والرعاية أينما وجدت، ورواية «قراري» التي تنسج خيوطًا سردية متداخلة تدور حول فكرة مركزية مفادها أن اختيارات الإنسان هي التي ترسم مصيره وتحدد مسار حياته.

 ومن المنتظر أن يستقطب حفل التدشين، المزمع تنظيمه بقاعة المؤتمرات بالمكتبة الوطنية بعد غد السبت الموافق 11 يوليو الجاري تحت رعاية وزارة الشباب والثقافة، نخبة من الكتاب والمثقفين، من بينهم أعضاء اتحاد الكتاب والأدباء الجيبوتي، إلى جانب عدد من المهتمين بالشأن الثقافي.

وحرصًا من جريدة «القرن» على الإسهام في إبراز هذا الحدث الأدبي وإيصال صدى العمَلين إلى أوسع دائرة من القراء خصوصا من ذوي الثقافة العربية، أجرينا هذا الحوار مع الكاتبة، التي تمثل نموذجًا فريدًا يجمع بين الحضور المهني الرفيع والموهبة الكتابية المتدفقة.

القرن/ بداية، كيف كانت انطلاقتك في عالم الكتابة، وما الذي دفعك إلى خوض هذه التجربة الأدبية؟

الكاتبة/ في البداية أود أن أشكر جريدة القرن على إتاحة هذه الفرصة، وأن أثمن كذلك الجهود الحثيثة التي تقوم بها في سبيل تزويد القراء بمحتوى إخباري موثوق، وإثراء المشهد الثقافي والإعلامي، من خلال دعم الكُتاب الجدد الذين يشقون طريقهم في عالمٍ تشتد فيه الحاجة إلى الكلمة الصادقة والقلم المسئول.

أما عن بدايتي مع الكتابة، فهي ليست وليدة الصدفة، بل وراثة روحية، فالكتابة في عائلتي ليست اختياراً.

 في عائلتي يوجد شعراء، وعمي كاتب مسرحي. نشأت وسط هذا الإرث الأدبي الذي جعلني أرى الكتابة كطريقة أصيلة وصادقة للتعبير عما يعتمل في أعماق الروح.

 استسلمت طائعة لنداء هذا العشق، لذلك، لم تكن الكتابة خياراً بل قدراً، هي الحوار الحقيقي بيني وبين العالم.

قد تعجز الكلمات المنطوقة عن التعبير، لكن عندما أمسك بالقلم، يتضح كل شيء تماماً، وتتحول الأفكار المبهمة إلى كلمات واضحة وصادقة.

 القرن/ ما الذي ألهمكِ لكتابة قصة «أم قطاوي»؟

 وإلى أي مدى حرصتِ على غرس القيم التي تحملينها لدى الأطفال من خلال العمل؟

 الكاتبة/ كنت مع صديقة، وهي أم قطاوي حقيقية تعيش في أرضنا.

 فبينما كنا نمشي في أحد الأيام، انتبهت إليها وإلى تصرفاتها الطيبة، فأردت أن أعطيها قصة تليق برقة روحها، وفي تلك اللحظة وُلدت القصة في خيالي.

 وفي اليوم التالي أكملتها بكل تأنٍّ وتفكير عميق.

كتابة الأطفال ليست مهمة سهلة.

 يجب أن تفكري مرتين قبل أن تكتب، لأن الأطفال يستحقون احترام قارئ حقيقي.

لا تقدم لهم كلمات رنانة فقط لأنهم أذكياء، فكل عمل تقدمه لهم يجب أن يحمل قيمة تربوية وأخلاقية.

 من خلال «أم قطاوي»، اخترت التعاطف والرحمة والإحسان الصادق.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه».

 القرن/ لماذا اخترتِ القطط بطلةً للقصة؟

وما الرمزية التي تمثلها في نظرك؟

الكاتبة/ القطط المستضعفة تمثل كل من لا صوت لهم في مجتمعنا.

اخترتها لأن الأطفال يحبونها بشكل طبيعي، وهي موجودة وقريبة منا في كل مكان.

 حتى في تراثنا وتقاليدنا، الإحسان إلى القطط والعطف عليها جزء من قيمنا الأصيلة.

من خلال هذه القصة، أردت أن أزرع في أطفالنا فكرة مهمة: أن نعطي بدون انتظار الشكر أو التقدير.

 لا ننتظر من يطلب، بل نقدم ما نستطيع عندما نستطيع؛ هذه هي قيمة العطاء الحقيقي.

 والقطة في القصة تعلمنا درساً بسيطاً: عندما تعطيها، لا تنظر إليك لتقول شكراً، بل تغلق عينيها وتستقبل ما تعطينه.

 في هذا الصمت والبساطة نجد أن العطاء كافٍ بذاته.

القرن/ يلاحظ أن رواية «قراري» جاءت مختلفة تماماً عن قصة أم قطاوي من حيث الطرح والأسلوب، فما الذي دفعك إلى تناول موضوع القرارات المصيرية وتأثيرها في حياة الإنسان؟

الكاتبة/ «قراري» وُلدت سنة 2016، لكنها استغرقت سنوات قبل أن تجرؤ على مغادرة دفتري.

كنت أعيد قراءتها مراراً، أعدّلها، وأخاف أن تُسمع صوتها في العالم.

 كل مرة أجد عذراً للتأجيل، حتى جاء عام 2020 وأعطيتها لأشخاص أثق بهم.

كانت كلماتهم بسيطة لكن حاسمة: انشريها الآن، لا تنتظري.

وهكذا قررت أن أترك الخوف.

في البداية، أردت أن تُسمى «نوارة» تيمناً باسم إحدى شخصياتي، لكن مع كل فصل كتبته ومع كل شخصية عشت معها، فهمت أن ما يجمعهن ليس اسماً بل جوهراً واحداً: القرار. القرارات المصيرية لا تُصحح، لا تُنسى، لا تُغتفر بسهولة.

 نحن نحمل ثقل اختياراتنا طوال حياتنا، وهذا ما جعلني أريد أن أكتبها.

إنها ليست رواية عن الانتصار أو الهزيمة، بل عن إنسانيتنا في لحظات القرار.

القرن/ كيف توفقين بين الكتابة الإبداعية وحياتك اليومية أو المهنية؟

 الكاتبة/ التوافق سهل، لأنني نفس الشخص في كلا الحالتين.

 والحقيقة أنني لم أرَ فاصلاً بينهما قط.

 في السفارة أكتب التقارير بالعربية أو أشارك في اجتماعات، وهذا يُبقي عقلي حاداً.

الواحدة تخدم الأخرى، العمل والهواية يتغذيان من نفس المصدر.

 التقارير تُعطيني دقة، والكتابة الإبداعية تُعطيني تعاطفاً أعمق مع القضايا الإنسانية التي أتعامل معها في العمل.

بل الأكثر من ذلك، الكتابة الإبداعية لم تكن عائقاً أبداً، بل كانت استراحة الروح.

 بينما يملأ الآخرون أوقاتهم بأشياء أخرى، أنا أكتب ما أحب: خواطر، قصص قصيرة، أدب أطفال، أو أستكمل رواية أو دراسة عن كتاب ما.

 الوقت لم يكن المشكلة ولن يكون أبداً، فقط نحتاج إلى أن نخطط بذكاء.

 القرن/ ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء كتابة ونشر هذين العملين؟

 الكاتبة/ بالفعل كانت هناك جملة من التحديات، من أبرزها الشك الذاتي، كل كاتب يعرفه، ذلك الصوت الداخلي الذي يسأل: هل هذا جيد بما يكفي؟

هل يستحق أن يُقرأ؟

 ثانياً، البحث عن الناشر المناسب.

 بحثت بين دور النشر فترة طويلة قبل أن أستقر في دار البدع للنشر والتوزيع في قطر.

كان البحث يتطلب توازناً بين الرؤية التحريرية والجدول الزمني والتكلفة، وكل هذا يحتاج وقتاً وطاقة.

 ثالثاً، السعي للكمال الذي لا ينتهي.

كلما تركت الرواية لفترة وعدت إليها أجد شيئاً أريد أن أضيفه أو أغيره.

الفكرة التي بدت ناقصة تحتاج إلى إعادة صياغة.

 الرواية لا تكتمل أبداً، فقط تتوقف عن تحريرها.

 القرن/ ما الرسالة الأساسية التي تتمنين أن يخرج بها القارئ بعد الانتهاء من قراءة كل مؤلف؟

 الكاتبة/ في «أم قطاوي»، الطيبة الصادقة والإحسان النابع من القلب بلا انتظار لرد الجميل يخلقان عالماً مختلفاً.

قد لا نرى النتائج فوراً، وقد تبقى أفعالنا في الظلام، لكنها لا تضيع أبداً.

إنها تكتب تاريخاً بطيئاً، تبني عالماً حيث الحب وحده يكفي.

في «قراري»، نحن لسنا ضحايا لا لخيارات الآخرين ولا حتى لقراراتنا السابقة.

نحن صانعو اختياراتنا، وهذه الحقيقة ثقيلة وجميلة في آن واحد.

 الحياة الحقيقية لا تبدأ عندما نجد الحل المثالي، بل عندما نقبل مسؤولية اختيارنا ونقف أمام تبعات قرارنا ونقول: اخترت هذا وأنا أتحمله.

القرن/ بعد إصدار هذين العمَلين، ما طموحاتك الأدبية خلال السنوات المقبلة؟

 الكاتبة/ نعم، أعمل على رواية جديدة الآن، وطموحي أن أُصدر كتباً ينتظرها القارئ إصداراً بعد إصدار، كتباً تكون حدثاً لا مجرد منشور.

 أريد أن أكتب قصصاً تلهم الناس وتجعلهم يؤمنون أنهم قادرون أن يكونوا ما يريدون.

أريد أن أحافظ على التوازن بين عملي وكتابتي الإبداعية، لأن كل واحد منهما يغذي الآخر.

 الثقافة هي الدبلوماسية الناعمة، والكتابة جسر حقيقي بين الناس.

 والطموح الأعمق أن أترك إرثاً أدبياً يعكس من أنا حقاً: امرأة رأت الحياة من زوايا مختلفة، موظفة، دبلوماسية وكاتبة وأم وزوجة، مثقفة بثقافات متعددة، تكتب عن الإنسان في كل مكان بصرف النظر عن لونه أو جنسيته أو معتقده.

القرن/ هل تعملين حالياً على مشروع كتاب جديد؟

وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن تطلعينا على ملامحه؟

الكاتبة/ فعلاً، أعمل على عدة مشاريع كتابية في الوقت نفسه.

أولاً، رواية «ذات»، قد يتغير العنوان، لكنها الآن كذلك، إنها أعمق وأكثر تعقيداً من «قراري» بكثير.

ثانياً، «سلمى وسندس» في أدب الطفل، جاهزة وفي طور التفاوض مع الناشرين، وربما ترى النور قريباً جداً إن شاء الله.

 قصة عن الغيرة بين الإخوة وطرق التعامل الصحيحة، تحمل معاني تربوية عميقة.

 ثالثاً، سلسلة «أم قطاوي»، هذا مشروع يستحق الاستمرار.

 ورابعاً، قصة أنتظر نشرها منذ 4 سنوات، لكنها تحتاج إلى إعادة نظر وتحرير دقيق.

أشعر بتردد تجاهها لأن الموضوع الذي تتناوله، التنمر والإساءة، وهو مرض العصر ليس في عالم الأطفال فقط بل أيضاً في كل مكان، وهذا يتطلب صرامة وحساسية عالية جداً. أريد أن أتأكد أنني أعطيتها ما تستحقه قبل أن تخرج إلى العالم.

 وأخيراً، أقول للكتاب الجدد أو المترددين عن خوص التجربة ... هناك شخص ما ينتظر قصتكم، ليس لأن قصتكم فريدة (قد تكون، وقد لا تكون)، بل لأنها بصوتكم أنتم.

 هناك من يحتاج أن يسمع هذه الكلمات بالذات من هذا الشخص بالذات.

 الخوف حقيقي، لكنه ليس سبباً كافياً.