يشهد الشرق الأوسط اليوم تحولاً جوهرياً في فلسفة أمنه الإقليمي. فالنظام الذي استند لعقود إلى المظلة الأمنية الأمريكية لم ينهَر، لكنه دخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، قوامها تقاسم المسؤوليات، وتنويع الشراكات، وتعاظم أدوار القوى الإقليمية.

 وبينما يتيح هذا التحول فرصة لبناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً، فإنه يفرض في المقابل تحديات معقدة قد تؤخر ولادة نظام إقليمي أكثر توازناً واستدامة.

وعلى امتداد أكثر من ثلاثين عاماً، قامت معادلة الأمن في المنطقة على أساس واضح: تتولى الولايات المتحدة حماية الخليج والممرات البحرية الاستراتيجية، مقابل ضمان استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

غير أن طبيعة التهديدات أخذت تتغير بصورة متسارعة. فلم تعد الأخطار تقتصر على الجيوش التقليدية، بل امتدت إلى الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنى التحتية الحيوية.

وجاءت أزمة البحر الأحمر، المستمرة منذ أواخر عام 2023، لتؤكد أن تعطيل ممر بحري واحد بات كفيلاً بإرباك التجارة الدولية ورفع تكاليف الشحن، رغم الحضور الكثيف للأساطيل البحرية الدولية.

في الوقت نفسه، تبدو واشنطن أقل ميلاً إلى الاضطلاع منفردة بدور الضامن الأمني للمنطقة. فهي تشجع حلفاءها على تحمل نصيب أكبر من المسؤولية، بالتوازي مع إعادة تركيز مواردها الاستراتيجية على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ولا يعني ذلك انسحاباً أمريكياً من الشرق الأوسط، بقدر ما يعكس انتقالاً إلى نموذج جديد يقوم على الشراكة وتقاسم الأعباء، ويحد من الاعتماد على قوة خارجية واحدة.

ومن أبرز ملامح هذا التحول أن مفهوم أمن الخليج لم يعد ينحصر في مضيق هرمز، بل امتد ليشمل البحر الأحمر والقرن الإفريقي باعتبارهما امتداداً طبيعياً للفضاء الاستراتيجي الخليجي.

فالاستثمارات الخليجية المتزايدة في الموانئ، وشبكات النقل، والبنية اللوجستية جعلت أمن طرق التجارة وسلاسل الإمداد جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والاقتصادي لدول المنطقة.

وفي قلب هذا المشهد تبرز جيبوتي بوصفها حالة تستحق التوقف عندها. فهي ليست مجرد دولة صغيرة تتمتع بموقع جغرافي استثنائي، بل قدمت، قبل أن يشيع مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» في الخطاب السياسي الإقليمي، نموذجاً عملياً لإدارة التوازنات الدولية.

 فمن خلال استضافة قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية وغيرها، نجحت في تحويل التنافس بين القوى الكبرى إلى عنصر قوة، بدلاً من أن يكون مصدر تهديد.

 ولم يكن هذا الخيار مجرد استجابة لاعتبارات جغرافية، بل تعبيراً عن رؤية استراتيجية قائمة على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لأي طرف واحد.

وبينما تواصل جيبوتي حماية مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، استطاعت أن تبني علاقات متوازنة مع قوى متنافسة، مثبتة أن الدولة الصغيرة ليست مضطرة للاختيار بين المحاور، بل قادرة على بناء توازن يحفظ سيادتها ويعزز مكانتها.

 ولعل هذه التجربة تمثل اليوم أحد النماذج التي بدأت المنطقة تتجه نحوها.

 فالمؤشرات الراهنة لا توحي بعودة الاستقطاب الحاد الذي طبع مراحل سابقة، كما لا تشير إلى قيام منظومة أمنية إقليمية موحدة.

والأقرب إلى الواقع هو نشوء ما يمكن تسميته «بالتوازن الاستراتيجي المرن»؛ وهو نموذج يسمح بالتعايش بين التنافس الجيوسياسي والتعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني، دون أن يفرض على الدول الاصطفاف الكامل خلف قوة بعينها.

وتعكس سياسات دول الخليج هذا التحول بوضوح. فهي تحافظ على شراكاتها الدفاعية الوثيقة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها الاقتصادي مع الصين، وتفتح قنوات تعاون مع قوى دولية أخرى.

 كما تسير تركيا في الاتجاه ذاته، عبر تنويع تحالفاتها وتعزيز استقلالية قرارها الاستراتيجي.

وبهذا المعنى، لم تتكيف جيبوتي مع النظام الإقليمي الجديد فحسب، بل استشرفت ملامحه قبل أن تصبح هذه المقاربة خياراً تتبناه قوى إقليمية أكبر منها حجماً وتأثيراً.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات جوهرية.

أول هذه التحديات أن أي منظومة أمنية إقليمية ستظل ناقصة ما لم تتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار.

فالحرب في غزة، والتوترات المستمرة في لبنان وسوريا، والمواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، تؤكد جميعها أن تجاهل هذه الملفات يجعل أي مشروع أمني إقليمي معرضاً للاهتزاز. أما التحدي الثاني، فيتعلق بإيران.

فمهما اختلفت مواقف دول المنطقة تجاه سياساتها، فإن بناء نظام أمني مستدام يقتضي إيجاد آليات لإدارة التنافس ومنع تحوله إلى صدام مفتوح.

 ولا يزال من المبكر الجزم بما إذا كان التقارب السعودي الإيراني يمثل تحولاً استراتيجياً طويل الأمد أم مجرد تسوية فرضتها ظروف المرحلة.

ويتمثل التحدي الثالث في هشاشة عدد من دول الإقليم، مثل اليمن والسودان وليبيا وسوريا، حيث ما تزال الأزمات الداخلية تمنح الفاعلين غير الحكوميين مساحة واسعة للتأثير في الأمن الإقليمي.

ومن دون إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة، سيظل الاستقرار عرضة للانتكاسات.

 إن إعادة تعريف الأمن في الشرق الأوسط لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. فالردع العسكري، مهما بلغت قوته، لم يعد كافياً لضمان الاستقرار.

وما تحتاجه المنطقة هو بناء شبكة مترابطة من المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، تجعل التعاون أكثر ربحاً من الصراع، والتكامل أكثر جدوى من الاستقطاب.

وفي هذا السياق، تكتسب التجربة الجيبوتية أهمية خاصة. فهي تثبت أن الأمن القائم على تنويع الشراكات لا يعزز السيادة الوطنية فحسب، بل يمنح حتى الدول محدودة المساحة والإمكانات القدرة على أداء أدوار تتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، لتصبح ركائز أساسية في استقرار محيطها الإقليمي.

وفي نهاية المطاف، لن يتوقف مستقبل الأمن في الشرق الأوسط على هوية القوة التي تتولى حمايته، بقدر ما سيتوقف على قدرة دوله على إدارة خلافاتها، واحتواء مصادر التوتر، وتحويل التنافس إلى محفز للتنمية والابتكار والازدهار المشترك.

ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: من سيحمي الشرق الأوسط؟ بل أصبح: هل تستطيع دول المنطقة أن تبني نظاماً أمنياً تصبح فيه حماية الإقليم مسؤولية مشتركة، لا خدمة تُستورد من الخارج؟

 وإذا نجحت في ذلك، فقد تكتشف أن إحدى أصغر دول المنطقة كانت قد سبقتها إلى هذا النموذج منذ سنوات.

 

بقلم: نجيب علي طاهر