اللعب والحوار تُعد السنوات الرابعة والخامسة والسادسة من عمر الطفل مرحلة بالغة الأهمية في بناء شخصيته وصقل قدراته العقلية والاجتماعية.

ويؤكد المربون وعلماء النفس أن أهم ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة أمران أساسيان: اللعب والحوار. فخلال هذه السنوات يشهد الطفل ما يشبه الثورة الحركية والثورة اللغوية، حيث تتسع قدراته على الحركة والتعبير والتواصل بصورة ملحوظة.

أولاً: اللعب... عمل الطفل الحقيقي يُقال إن اللعب بالنسبة للطفل كالعمل بالنسبة للكبير؛ فإذا رأيت طفلاً في هذا العمر لا يميل إلى اللعب ولا يجد فيه متعة، فذلك مؤشر يستحق الانتباه.

فاللعب ليس مجرد وسيلة للتسلية وقضاء الوقت، بل هو حاجة فطرية ووسيلة تربوية وتنموية شاملة.

 وقد أشار الباحث أحمد خليل في كتابه «الأطفال والطفولة» إلى أن اللعب يؤدي وظائف عديدة، منها إعداد الطفل للحياة المستقبلية، والمساهمة في نموه الجسمي والعقلي، وتنمية ميوله واستعداداته، وتخليصه من الملل والضجر، وتعويده احترام القوانين، والعمل الجماعي، وروح المنافسة الشريفة، واحتمال الخسارة، والرفق بالآخرين.

وأدرك التربويون أن كثرة حركة الطفل ونشاطه في هذه المرحلة دليل على صحة جسمه ويقظة عقله وصفاء ذهنه، بخلاف ما يعتقده بعض الناس حين يصفون الأطفال كثيري الحركة بالشقاوة، بينما يعدون الهدوء المفرط علامة على الرزانة والعقل.

ومن جميل ما نُقل عن ابن سينا قوله في تربية الأطفال: «إذا انتبه الطفل من نومه فالأولى أن يستجم قليلاً، ثم يُخلّى بينه وبين اللعب ساعة، ثم يُطعم شيئاً يسيراً، ثم يُطلق له اللعب مدة أطول، ثم يستجم، ثم يُغذّى».

توجيهات تربوية في لعب الأطفال

 1- لا تُقيّدوا حركة الطفل ليس المطلوب كبح نشاط الطفل أو منعه من الحركة، وإنما توجيه هذه الحركة لتكون لعباً منظماً يحقق له النمو والتعلم.

 2- اصطحبوا أبناءكم إلى الأماكن المفتوحة من المفيد أن يخرج الوالدان مع أبنائهما بصورة دورية إلى الحدائق أو الأماكن الواسعة، حيث يمارس الطفل الجري والقفز والتسلق ورمي الكرة وغيرها من الأنشطة التي تنمي قدراته الجسدية.

3- لا تنزعجوا من تكرار اللعبة نفسها يميل الطفل إلى إعادة اللعبة ذاتها مرات عديدة، وهذا التكرار غالباً ما يعبر عن انسجام اللعبة مع احتياجاته النفسية أو اهتماماته الداخلية.

4- استفيدوا من اللعب العلاجي يكشف لعب الطفل كثيراً مما يدور في داخله.

 فالطفلة التي تدلل دميتها أو تعاتبها، والطفل الذي يقلد والده أثناء قيادة السيارة، إنما يعبرون عن مشاعر وتجارب يعيشونها في واقعهم.

ولهذا أصبح «العلاج باللعب» أحد الأساليب المعروفة في علم النفس الحديث.

5- وظفوا اللعب في التربية والتعليم يمكن استثمار الألعاب الجماعية لتعليم الطفل التعاون، ومساعدة الآخرين، وتحمل المسؤولية، والاعتراف بالخطأ، والالتزام بالقواعد.

 اللعب في هدي النبي ﷺ لقد كان رسول الله ﷺ قدوة في ملاطفة الأطفال وملاعبتهم. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يأخذ الحسن أو الحسين ويلاعبه حتى يصعد إليه ثم يقبله ويدعو له بالمحبة.

 كما روى عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ كان يجعل أبناء العباس يتسابقون إليه، فإذا سبق أحدهم احتضنه وقبّله، في مشهد يعكس عظمة التربية بالمحبة والقرب العاطفي. كيف نختار ألعاب أطفالنا؟

 قبل شراء أي لعبة للطفل، من المفيد أن يسأل الوالدان أنفسهما: هل تشجع اللعبة نشاطاً صحياً ومفيداً؟

هل تنمي روح الاكتشاف والتجربة؟ هل تتيح التركيب والتفكيك والتفكير؟

هل تساعد الطفل على تقليد السلوك الإيجابي للكبار؟ 

هل تسهم في تهذيب السلوك وتنمية الذوق والأدب؟

 فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، كانت اللعبة ذات قيمة تربوية حقيقية.

 ثانياً: الحوار... غذاء العقل واللغة إذا كان اللعب غذاءً للجسد والمهارات، فإن الحوار غذاء للعقل واللغة.

ففي هذه المرحلة يحقق الطفل تقدماً كبيراً في قدراته التعبيرية، حتى يصفه البعض بأنه أصبح كثير الكلام أو «ثرثاراً».

يتوسع عالم الطفل الاجتماعي، فيتواصل مع الأسرة والأقارب والمعلمين والأصدقاء، ويصبح أكثر قدرة على فهم الأحداث وتحليلها والتفاعل معها.

كما يبدأ بطرح أسئلة كبيرة حول الكون والحياة والخالق والطبيعة، وقد يوجه لوالديه أسئلة تبدو محرجة أو صعبة.

ومن الأسئلة الشائعة في هذا العمر: كيف جئت إلى الدنيا؟ 

أين الله؟ من الذي خلق الكون؟

 كيف ينزل المطر؟

لماذا تطير الطائرة؟

 وهذه الأسئلة ليست مشكلة، بل دليل على نمو التفكير والفضول المعرفي لدى الطفل.

نصائح للتعامل مع أسئلة الأطفال

 1- الصدق في الإجابة إذا كنت تعرف الجواب فأجب بوضوح وبساطة، وإذا كنت لا تعرف فقل: «لا أعلم الآن، وسأبحث عن الإجابة».

فالطفل ذكي ويستطيع اكتشاف التناقض أو الكذب.

2- استثمروا الأسئلة في تنمية حب القراءة حين يسأل الطفل عن موضوع لا تعرفه، يمكن أن تشاركه البحث عنه في كتاب أو قصة أو موسوعة مناسبة لعمره.

 وبهذا يتعلم أن الكتاب مصدر للمعرفة.

 3- إذا قلّت أسئلته فابدؤوا أنتم بالحوار اطرحوا عليه أسئلة تثير التفكير مثل: لماذا لا يغرق السمك في الماء؟

من أين يأتي المطر؟

 ما رأيك في هذا القميص؟

 كيف تعتقد أن الطائرة تطير؟

فهذه الأسئلة تنمي التفكير والتعبير والثقة بالنفس.

4- استفيدوا من الهاتف في التواصل قد يضطر بعض الآباء والأمهات للغياب بسبب العمل، لكن الاتصال الهاتفي يظل وسيلة جيدة للحوار اليومي، وتعليم الطفل آداب الحديث والتواصل.

5- تجنبوا الأسئلة المغلقة فالأسئلة التي تكون إجاباتها بكلمة واحدة لا تنمي الحوار، مثل: هل أكلت؟

 كيف حالك؟

 هل كان الامتحان جيداً؟

واستبدلوها بأسئلة مفتوحة تدفع الطفل إلى الشرح والتفصيل.

مراجع مفيدة للآباء والأمهات من الكتب التي تساعد الوالدين في الإجابة عن تساؤلات الأطفال: أسئلة طفلك المحرجة – شهناز عبد الفتاح.

الأسئلة العقائدية عند الأطفال – د. بسام عموش.

 سلسلة أسئلة وأجوبة في العلوم.

كيف نرتقي بفكر أبنائنا –

 د. عبد الكريم بكار.

كما يُستحسن تخصيص دفتر تُسجَّل فيه أسئلة الطفل، سواء عُرفت الإجابة أم لم تُعرف، ليكون مرجعاً للأسرة في متابعة نموه الفكري والمعرفي.

خاتمة إن الطفل في سنواته الرابعة والخامسة والسادسة يحتاج إلى بيئة تمنحه فرصة الحركة والاكتشاف، كما يحتاج إلى من يستمع إليه ويحاوره ويجيب عن تساؤلاته.

 فاللعب يبني شخصيته وينمي مهاراته، والحوار يثري لغته ويوسع مداركه.

وإذا أحسن الوالدان استثمار هذين الاحتياجين، أسهما في إعداد طفل متوازن، واثق بنفسه، قادر على التعلم والتواصل والإبداع.

 

بقلم : عبد الرزاق حسن طبر