القدوة والتقليد أخطر التحديات التربوية تُعد مرحلة الرابعة والخامسة والسادسة من عمر الطفل من أهم المراحل في بناء شخصيته وتكوين ملامح مستقبله. ويؤكد علماء النفس والتربية أن السنوات الست الأولى هي الفترة التي تُوضع فيها الأسس الكبرى لشخصية الإنسان، وأن ما يُغرس خلالها من قيم وعادات وسلوكيات يظل مؤثرًا في حياته لسنوات طويلة. ومن هنا تأتي أهمية وجود الوالدين بالقرب من الطفل خلال هذه المرحلة الحساسة، إذ لا يمكن لأي مؤسسة تربوية أو تعليمية أن تعوض بالكامل ما يقدمه الأب والأم من رعاية وعاطفة وتوجيه. فالطفل في هذه السن لا يحتاج إلى الطعام والملبس فقط، بل يحتاج قبل ذلك إلى الحضور التربوي الدائم، وإلى من يشاركه تفاصيل حياته اليومية ويمنحه الشعور بالأمان والانتماء. التقليد والمحاكاة... الخطر الأكبر من أبرز خصائص أطفال الرابعة والخامسة والسادسة الميل الشديد إلى التقليد والمحاكاة. فالطفل يتعلم في هذه المرحلة بعينيه أكثر مما يتعلم بأذنيه، ويراقب تصرفات الكبار باستمرار ثم يعيد تمثيلها في سلوكه اليومي. نرى الطفل يرتدي حذاء والده ويحاول المشي به، أو يقف على سجادة الصلاة مقلدًا حركات أبيه، بينما تحمل الطفلة حقيبة أمها أو ترتدي غطاء الصلاة وتحاول أداء الحركات نفسها التي تراها من والدتها. وهذه المشاهد البسيطة تكشف عن حقيقة تربوية مهمة، وهي أن الطفل يتعلم من القدوة أكثر مما يتعلم من التوجيه المباشر. ولذلك فإن التقليد والمحاكاة سلاح ذو حدين؛ فقد يكونان وسيلة عظيمة لغرس القيم والأخلاق إذا كانت القدوة حسنة، وقد يتحولان إلى مصدر خطر إذا رأى الطفل تناقضًا بين ما يسمعه وما يشاهده. فالطفل لا يفهم القيم المجردة كما يفهمها الكبار، لكنه يرى في والديه النموذج الكامل الذي يستحق الاقتداء. فإذا صدقا تعلم الصدق، وإذا التزما تعلم الالتزام، وإذا احترما الناس تعلم الاحترام. أما إذا رأى الكذب أو الإهمال أو التناقض، فإنه يكتسب ذلك دون وعي. المبرمج الأول لابنك جاء في كتاب «الأطفال المزعجون» أن الوالدين هما المبرمج الأول لسلوك الطفل وقيمه ومعتقداته. وهذا المعنى تؤكده الدراسات التربوية الحديثة كما يؤيده الحديث النبوي الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة...». ويُروى في الكتاب نص مؤثر على لسان طفل يخاطب والديه قائلاً: عندما ظننتما أنني لم أكن أنظر، رأيتكما تصليان فعرفت أن هناك ربًا ألجأ إليه. وعندما ظننتما أنني لم أكن أنظر، رأيتكما تساعدان المحتاجين فتعلمت أن من يملك شيئًا ينبغي أن يعين من لا يملك. وعندما ظننتما أنني لم أكن أنظر، رأيتكما تتحملان المسؤولية في الظروف الصعبة فتعلمت معنى المسؤولية. وعندما ظننتما أنني لم أكن أنظر، رأيت دموعكما فعلمت أن البكاء ليس ضعفًا، وأن للقلب مشاعر ينبغي احترامها. ثم يختم بقوله: عندما ظننتما أنني لم أكن أنظر، تعلمت معظم دروس الحياة التي أحتاجها لأكون إنسانًا صالحًا ومنتجًا عندما أكبر. إن هذه الكلمات تختصر حقيقة تربوية عظيمة: الأبناء يفعلون ما يرونه من آبائهم أكثر مما يفعلون ما يُطلب منهم. الصدق مع الأطفال تربية عملية لقد حرص الإسلام على ترسيخ مبدأ الصدق مع الأطفال منذ الصغر، لأن الطفل يتعلم بالقدوة قبل الكلام. فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة». كما روى البيهقي عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أن أمه دعته يومًا لتُعطيه شيئًا، فسألها النبي ﷺ: «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمراً. فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كُتبت عليك كذبة». وهذا يبين أن بناء شخصية الطفل يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الكبار. خطورة النماذج التي يراها الطفل إن قدرة الطفل على التقليد لا تقتصر على الوالدين فقط، بل تمتد إلى كل شخصية تحظى بإعجابه أو احترامه. فقد يشاهد بطلًا في فيلم يدخن فيربط التدخين بالنجاح والقوة، أو يرى معلمًا يدخن فيربط هذا السلوك بشخصية محترمة، أو يشاهد نماذج غير مناسبة في محيطه فيكتسب منها أفكارًا وسلوكيات دون شعور. ولهذا كان من الضروري أن يحرص الوالدان على اختيار البيئة المناسبة لأبنائهم، وربطهم بالقرآن الكريم والمسجد والصحبة الصالحة منذ الصغر. قبل أن تربي أبناءك... غيّر نفسك من أهم القواعد التربوية أن تربية الأبناء تبدأ بتربية النفس. فالذي يريد قيادة سيارة يحتاج إلى تدريب ورخصة، والذي يريد أن يكون معلمًا يحتاج إلى إعداد وتأهيل، وكذلك من يريد أن يكون مربيًا لا بد أن يبدأ بإصلاح نفسه وسلوكه. فلا يستقيم أن نطلب من الطفل الصدق ثم نكذب أمامه، أو ندعوه إلى الصلاة ونحن لا نصلي، أو نحثه على النظام والنظافة بينما يعيش في بيئة يسودها الإهمال والفوضى. وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه كما يُروى عن عقبة بن أبي سفيان أنه قال لمؤدب ولده: «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت.» متى نرسل أبناءنا إلى الروضة؟ من القضايا المهمة في هذه المرحلة مسألة الالتحاق برياض الأطفال. ويرى كثير من المختصين أن التسرع في إرسال الطفل إلى الروضة ليس دائمًا الخيار الأفضل، لأن الطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى الارتباط العاطفي الوثيق بوالديه، وخاصة بالأم. وتشير بعض الدراسات التربوية إلى أن آثار الفراق والحرمان العاطفي تكون أشد في السنوات الأولى، وتقل تدريجيًا بعد سن الخامسة. ولذلك يذهب عدد من المختصين إلى أن سن الخامسة وما بعدها يعد من أنسب الأعمار للالتحاق بالروضة في كثير من الحالات، مع مراعاة ظروف كل طفل وأسرة. معايير اختيار الروضة المناسبة عند اختيار الروضة لا ينبغي أن يكون الاهتمام منصبًا على الديكورات أو الألوان أو ارتفاع الرسوم الدراسية فقط، بل هناك معايير أكثر أهمية، من أبرزها: - السلامة والأمن داخل الروضة. - النظافة والتهوية الجيدة. -توافر الألعاب والأنشطة المناسبة للعمر. -الكفاءة التربوية للمعلمات والمشرفين. -الخلفية الأخلاقية والدينية للعاملين. -البيئة التربوية العامة التي سيقضي الطفل فيها ساعات يومه. فالطفل سيتأثر بمعلميه ومحيطه الجديد، وسيقلدهم في سلوكه وكلامه واهتماماته، ولذلك فإن حسن الاختيار مسؤولية تربوية كبرى. خاتمة إن أخطر ما يواجه طفل الرابعة والخامسة والسادسة ليس ضعف الحفظ أو التأخر الدراسي، وإنما القدوات غير الصالحة التي يقتدي بها، والتناقض بين الأقوال والأفعال التي يراها من الكبار. فعيون الأبناء معلقة بآبائهم وأمهاتهم، تراقب كل حركة وكل تصرف، وتتعلم منها أكثر مما تتعلم من الخطب والنصائح. ولذلك فإن أفضل وسيلة لتربية الأبناء في هذه المرحلة هي أن يكون الوالدان النموذج الذي يرغبان أن يراه أبناؤهما في المستقبل. فالقدوة الحسنة ليست مجرد أسلوب تربوي، بل هي المدرسة الأولى التي يتخرج منها الأبناء.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر