القاعدون المنتقدون من أكثر الناس فشلاً في الحياة - حسب رأيي - هم أصحاب الأعذار المختلفة عندما يطلب منهم تولي أي مهمة. وإذا تولى غيرهم تلك المهام قاموا بانتقادهم بشكل متواصل ودون ملل، أينما كانوا. فلا هم يعملون ولا هم يسكتون. ليس كل من ينتقد يملك خبرة، وليس كل من يكثر الملاحظات قدّم إنجازاً. فهناك فئة تجلس على الهامش، لا تتحمل المسؤولية، ولا تبادر بعمل، لكنها تراقب كل من يعمل. فإذا أخطأ كبّرت خطأه، وإذا نجح قللت من نجاحه، وإذا تعثر شمتت به. هؤلاء هم القاعدون المنتقدون. إن لدى أمثال هؤلاء أعذاراً كثيرة عند الطلب للعمل. أعذار كثيرة من حيث العدد، لكنها واهية في المضمون والجوهر. كما أن لديهم انتقادات حادة تجاه العاملين، قد تعوق أحياناً سير أعمالهم. وقد تستحسن كلامهم عندما ينتقدون، وتحسب أن لهم بصائر ثاقبة، وآراء بعيدة، وتحليلات واقعية، إلا أنهم لا يعملون، ولا يريدون أن يعملوا. وإذا ألححت عليهم أشاروا لك بإسناد المهمة إلى زميل آخر، بحجة أن له خبرة جيدة في مثل هذا العمل. إنهم موجودون بين كل فئات المجتمع، وبين كل الأنظمة، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو ثقافية... لكن لهم مساراً آخر في العمل غير مسار أصحابهم. ففي السياسة مثلاً تدرك أنهم يريدون تغييراً، لكنهم جبناء عند الدخول فيها، لأن فيها خطورة واضحة ولا يريدون المغامرة مهما كانت الظروف. وفي الدعوة إلى الله يريدون العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، لكنهم كسالى عند أي عمل دعوي يدعون إليه، لأنه ليس فيه مصلحة مادية. بل حتى في أعمالهم العادية تجدهم يتكلمون عن ضرورة وجود إنتاج ملموس في المؤسسات التي يعملون فيها، لكنهم يفتقرون في الوقت نفسه إلى أداء وكفاءة عالية عندما يعملون. إنهم رجال في النقد، ويا ليتهم ينتقدونك وهم أمامك. رجال في الكلام، ويا ليتهم يتكلمون أمام وسائل الإعلام. رجال في الملاحظات، ويا ليتهم يكتبون عنها. إنهم في النهاية رجال في «قيل وقال»... ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. هؤلاء هم الذين يقولون قبل العمل: «ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله» وعند العمل: «فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» وبعد العمل: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً». لا أريد أن أقلل من أهمية النقد، وخاصة النقد البناء، فهو حاجة ضرورية للبشر جميعاً لتصحيح التصرفات وتحسينها، ولا أحد يستطيع أن يمنع الآخرين من النقد مهما فعل. لكن النقد الحقي هو الذي يصاحبه اقتراح للحل، وليس الذي هدفه التقليل من الآخرين، فهذا عبء على أي مؤسسة أو مجتمع. الذي أقصده هنا هو أن يكون النقد ملجأً للكسالى والعاجزين الذين يرمون داءهم على الآخرين ثم ينسلّون. أقصد الذين يقفون خارج الميدان فيسهل عليهم إصدار الأحكام، ولا يشعرون بصعوبة اتخاذ القرار ولا بضغوط التنفيذ. من أراد أن ينتقد، فليدخل الميدان أولاً. فالعمل يمنح صاحبه حق الحديث، أما الجلوس على المقاعد والاكتفاء بتوزيع الأحكام فلا يبني مؤسسة، ولا ينهض بوطن. إن الأمم تتقدم بالعاملين لا بالمتفرجين، وبصناع الحلول لا بصناع الكلام والتعليقات.
بقلم د. عثمان فريد