في سكون هذا الصباح، وبينما كنت أرتل وِردي القرآني، أخذتني التلاوة في رحاب سورة هود، ضمن الجزء الثاني عشر من القرآن الكريم. وأثناء استغراقي في تدبر آياتها ومقاصدها، بدا لي وكأنني أمام مدرسة تربوية متكاملة، تتجاوز حدود الوعظ المجرد إلى بناء الإنسان من الداخل، وصناعة الشخصية المؤمنة المتوازنة، وتقويم السلوك وفق منهج يجمع بين الحكمة والرحمة والعدل ولأن المقام لا يتسع لاستعراض ما اشتملت عليه السورة من كنوز تربوية وأخلاقية، فقد آثرت الوقوف عند معلمين بارزين كثيرًا ما نفتقدهما في حياتنا اليومية، على الرغم من حاجتنا الماسة إليهما في الأسرة، والمدرسة، ومؤسسات العمل، وفي مختلف دوائر العلاقات الإنسانية؛ وهما: مهارة التعزيز الإيجابي في التوجيه، وقيمة الوفاء في التعامل. وهما ركيزتان إذا اجتمعتا صلحت النفوس، واستقامت العلاقات، وارتقى المجتمع أولًا: التعزيز الإيجابي... مدخل قرآني إلى إصلاح الإنسان في قصة نبي الله شعيب -عليه السلام- تتجلى عبقرية المنهج القرآني في التربية والإصلاح. فقد بدأ بدعوة قومه إلى توحيد الله تعالى، وهو أصل كل إصلاح، ثم انتقل إلى معالجة الانحرافات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعصف بمجتمعه، من الغش في الكيل والميزان، وبخس الناس حقوقهم، والإفساد في الأرض. غير أن أكثر ما يلفت النظر في هذا المشهد التربوي، أن شعيبًا -عليه السلام- لم يبدأ بالتوبيخ أو التقريع، ولم يجعل اللوم مدخلًا إلى الإصلاح، بل قدّم بين يدي نصحه كلمةً رقيقة تحمل التقدير والثقة، فقال: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ إنها عبارة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالاتها، تؤسس لما يعرف اليوم في العلوم التربوية وعلم النفس الإيجابي بـ التعزيز الإيجابي، وهو أن يبدأ المربي باستحضار ما لدى المتلقي من جوانب مشرقة، فيشعره بقيمته وقدرته، قبل أن يلفت نظره إلى الخطأ أو يدعوه إلى التغيير فالنفوس بطبيعتها تستجيب لمن يقدرها، وتأنس بمن يحترمها، وتقبل التوجيه ممن يشعرها بأنها محل ثقة وتقدير. أما أسلوب التجريح، أو التركيز الدائم على الأخطاء، فإنه كثيرًا ما يولد العناد، ويغلق أبواب الحوار، ويزيد مقاومة التغيير. ومن هنا فإن القرآن الكريم يعلمنا أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بكسر النفوس، وإنما يبدأ ببنائها، ولا يبدأ بإحصاء الأخطاء، وإنما بإحياء مواطن الخير، ثم توجيهها نحو الأكمل والأفضل وهذه رسالة تربوية لكل أب وأم، ولكل معلم ومشرف، ولكل قائد ومدير وداعية؛ فكم من كلمة تقدير أحيت همةً خامدة، وكم من ثناء صادق غيّر مسار إنسان، وكم من أسلوب حسن فتح قلبًا كان مغلقًا أمام كل نصيحة . ثانيًا: الوفاء... أساس العمران الإنساني ومن هذا المدخل النفسي الراقي، انتقل شعيب -عليه السلام- إلى ترسيخ قيمة عظيمة تعد من أهم دعائم استقرار المجتمعات، فقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ وقد يتبادر إلى الذهن أن الخطاب يتعلق بالبيع والشراء فحسب، غير أن التدبر يكشف أن القرآن يؤسس هنا لمبدأ أخلاقي عام، يجعل الوفاء قاعدة تحكم جميع صور التعامل الإنساني. فالوفاء لا يقتصر على الميزان في الأسواق، بل يشمل ميزان الحياة كله؛ فهو الوفاء بالعهد، والوفاء بالكلمة، والوفاء بالوعد، والوفاء بالمسؤولية، والوفاء بالأمانة، والوفاء بحقوق الناس، والوفاء برسالة التعليم والتربية، والوفاء بحق الأسرة والوطن والمجتمع. إن المجتمع الذي يسوده الوفاء هو مجتمع تبنى فيه الثقة، وتطمئن فيه النفوس، وتستقر فيه المعاملات، ويشعر كل فرد أن حقوقه مصونة، وأن التزام الآخرين ليس رهين الرقابة، وإنما نابع من ضمير حي وقيم راسخة ولهذا لم يكن غياب الوفاء مجرد خلل أخلاقي، بل هو مدخل لتفكك العلاقات، وانتشار الشك، وضعف الثقة، وتعثر المؤسسات، مهما بلغت إمكاناتها المادية بين التعزيز والوفاء... علاقة تكاملية ومن أجمل ما تكشفه هذه الآيات أن القرآن لا يكتفي بغرس القيم، بل يعلمنا كذلك منهج غرسها فالتعزيز الإيجابي هو الأسلوب، والوفاء هو القيمة والأسلوب الجميل يجعل القيمة مقبولة، كما أن القيمة الرفيعة تمنح الأسلوب غايته ومعناه. ولهذا فإن المربي الناجح لا يكتفي بأن يقول للناس: كونوا أوفياء، بل يقدم لهم التقدير والاحترام، ويعاملهم بالرفق، حتى تصبح القيم جزءًا من سلوكهم، لا مجرد شعارات يرددونها إن أبناءنا وطلابنا وموظفينا أحوج ما يكونون اليوم إلى من يرى فيهم مواطن القوة قبل مواطن الضعف، ويثمن إنجازاتهم قبل أن يحاسبهم على تقصيرهم، ويغرس فيهم ثقافة الوفاء قبل أن يطالبهم بنتائج الأداء. Δ ـــــ واقعنا التربوي... حاجة إلى مراجعة ولعل من المؤسف أن ثقافة النقد في كثير من بيئاتنا أصبحت تطغى على ثقافة التقدير، وأن البحث عن الخطأ بات أسهل من اكتشاف مواطن التميز. كما تراجعت قيمة الوفاء في بعض الممارسات اليومية؛ فتُخلف الوعود، وتتأخر الالتزامات، ويقصر بعض الناس في أداء الأمانات، سواء في الأسرة، أو المدرسة، أو مؤسسات العمل. إن هذا الواقع يستدعي مراجعة جادة؛ ففي الأسرة ينبغي إعادة النظر في أنماط المعاملة، وغرس بيئة يسودها الاحترام، والتقدير، والقدوة الحسنة، والإقناع، والحوار، والتبادل البنّاء. وفي المدرسة يتطلب الأمر تقويم المناهج، والارتقاء ببرامج التكوين التربوي للمعلمين والإداريين، مع الإفادة من العلوم التربوية، ولا سيما علم النفس الإيجابي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، في بناء بيئات تعليمية محفزة وداعمة. كما أن مؤسسات العمل والدوائر الحكومية مطالبة بتعزيز السياق الإيجابي في بيئة العمل، وتنمية قدرات العاملين، وإرساء ثقافة التقدير، والالتزام بالمواعيد، والوفاء بالوعود والمسؤوليات إن نهضة المجتمعات لا تتحقق بالتشريعات وحدها، وإنما تتحقق عندما تتحول القيم إلى سلوك يومي، ويصبح الوفاء عادة راسخة، ويغدو التعزيز الإيجابي ثقافة عامة تحكم التربية، والإدارة، والقيادة خلاصة الإضاءة: تؤكد المدرسة القرآنية أن الإصلاح المستدام لا يقوم إلا على ركيزتين متلازمتين: وهما جمال الأسلوب في التوجيه، وأصالة القيم في السلوك فالمربي الحكيم هو من يفتش أولًا عن مواطن الخير فيمن يربيهم، فيبرزها ويثمنها، ثم يعالج مواطن القصور بالحكمة والرفق والموعظة الحسنة. كما أن الإنسان الوفي هو الذي يجعل الصدق والعدل والأمانة والالتزام منهجًا ثابتًا في حياته، فيكون مصدر ثقة للناس، وعنصر بناء لمجتمعه وحين يجتمع التعزيز الإيجابي مع الوفاء، تتربى النفوس على الثقة لا الخوف، وعلى المسؤولية لا الإكراه، وعلى المحبة لا الخصومة، وعندها يكون الإصلاح أعمق أثرًا، وأبقى نتائج، وأقرب إلى هدي القرآن الكريم في صناعة الإنسان وبناء الحضارة. بقلم:الدكتور/ محمود محمد عبدي مدرب مركز التكوين للتربية الوطنية