تُعد السنوات الرابعة والخامسة والسادسة من أهم مراحل الطفولة في بناء شخصية الإنسان وتكوين معالمها الأساسية. ففي هذه المرحلة يبدأ الطفل بالإحساس بالزمالة، وتتكون لديه بذور العلاقات الاجتماعية، وتتسع حصيلته اللغوية، كما تُغرس الأسس الأولى للقيم والأخلاق والتدين التي سترافقه في مراحل عمره اللاحقة. ولذلك يرى التربويون أن الطفل في هذه السن يكون أرضًا خصبةً لغراس التربية، وأن ما يُزرع في نفسه من قيم ومعانٍ يبقى أثره طويلًا في حياته. ومع كثرة الجوانب التربوية التي يمكن العناية بها في هذه المرحلة، يبقى من أعظم ما يمكن غرسه في قلب الطفل: الصلة بالقرآن الكريم. فالقرآن ليس كتابًا للحفظ والتلاوة فحسب، بل هو منهج حياة، ومصدر هداية، ومورد للقيم والأخلاق والإيمان. ومن هنا ينبغي للوالدين أن يحببا أبناءهما بالقرآن منذ الصغر، من خلال تلاوته عليهم، وقصِّ قصصه، وشرح معانيه بأسلوب مبسط، وتشجيعهم على حفظ ما تيسر منه. وقد أدرك السلف الصالح أهمية هذا الغرس المبارك، فحرصوا على ربط أبنائهم بالقرآن منذ نعومة أظفارهم. فعندما مرض الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرض موته، دخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه يعوده، ودار بينهما حديث مشهور، فقال له عثمان: «أتخشى على بناتك الفاقة؟» فقال ابن مسعود: «إني أمرت بناتي بقراءة سورة الواقعة كل ليلة»، رجاء البركة والخير. كما كان الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أبناءه وصبيان الحي ليؤمِّنوا على دعائه، فيرسخ بذلك حب القرآن وتعظيمه في نفوسهم. ونُقل عن عدد من العلماء والفقهاء عنايتهم بتحفيظ أبنائهم وبناتهم القرآن الكريم وتعاهدهم به في البيوت والمجالس. إن البيت الذي يعلو فيه صوت القرآن، وتُتلى فيه آياته، وتُروى فيه قصصه، ينشأ فيه الأبناء على الألفة مع كتاب الله، ويكبرون وهم يشعرون أن القرآن جزء من حياتهم اليومية، فيفرحون به، ويعملون به، ويستضيئون به في مسيرتهم. ومن الوسائل العملية التي تساعد الوالدين على تحبيب القرآن إلى أبنائهم، ما ذكره الدكتور ياسر نصر في كتابه «رسائل لكل أب وأم»، ومن أبرزها: أولاً: تهيئة الجو المناسب للحفظ، وذلك بتخصيص مكان هادئ ووقت محدد يوميًا، مع الحرص على الاستمرار ولو كان الزمن يسيرًا، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع. ثانيًا: مراعاة طبيعة الطفل الحركية في هذه المرحلة؛ فالطفل لا يستطيع الجلوس طويلًا، ولذلك يمكن دمج الحفظ باللعب. فالطفل الذي يحب المكعبات يمكن كتابة الآيات أو أسماء السور عليها، والطفل المحب للقصص يمكن ربط السور بقصصها ومعانيها، أما المولع بالأجهزة الإلكترونية فيمكن الاستفادة من البرامج والتسجيلات القرآنية المناسبة لعمره. ثالثًا: ربط الحفظ بالمحبة والتشجيع، لا بالخوف أو الإكراه، وذلك من خلال المكافآت والهدايا وكلمات الثناء والتحفيز. رابعًا: غرس الإخلاص في نفس الطفل، وتعليمه أن حفظ القرآن وتلاوته عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وأن القرآن شفيع لصاحبه يوم القيامة. خامسًا: شرح المعاني السهلة للآيات قبل حفظها؛ لأن فهم المعنى يعين الطفل على الحفظ ويجعله أكثر ارتباطًا بالنص القرآني. سادسًا: البدء بالسور والآيات القصيرة التي تناسب عمر الطفل وقدرته على الاستيعاب. سابعًا: التحلي بالرفق والصبر إذا تأخر الطفل في الحفظ أو أبدى شيئًا من التردد، فالتربية الناجحة تقوم على اللين والحكمة. ثامنًا: اعتماد التكرار؛ فهو من أنجح الوسائل التعليمية للأطفال في هذه المرحلة العمرية. تاسعًا: تخصيص مصحف للطفل يشعره بالمسؤولية والانتماء، ويعتني به ويحتفظ به في مكانه الخاص. عاشرًا: جعل التعامل مع القرآن أمرًا محببًا وسهلًا في حياة الطفل اليومية، بعيدًا عن التعقيد أو المشقة. إن غرس الصلة بالقرآن الكريم في السنوات الأولى من العمر استثمار تربوي عظيم، وثمرة تمتد آثارها إلى مستقبل الأبناء وأخلاقهم وسلوكهم. فالطفل الذي ينشأ مع القرآن حفظًا وتلاوةً وفهمًا ومحبةً، ينشأ وهو يحمل في قلبه نورًا يهديه في دروب الحياة، ويكون بإذن الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. ومن هنا فإن مسؤولية الآباء والأمهات لا تقتصر على تعليم الأبناء القراءة والحفظ فحسب، بل تمتد إلى صناعة علاقة حب دائمة بينهم وبين كتاب الله، علاقة تجعل القرآن رفيقًا لهم في طفولتهم وشبابهم وسائر أعمارهم. وبذلك يتحقق أعظم الغرس وأبقى الأثر. بقلم : عبد الرزاق حسن طبر