تُعدُّ الثقافة الركيزة الأساس في بناء الأمم، والوعاء الذي يحفظ هويتها، ويصوغ شخصيتها، ويحدد رؤيتها للإنسان والكون والحياة.

فهي ليست مجرد تراكم للمعارف أو رصيد من المعلومات، بل منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والعادات والاتجاهات التي تشكل وعي الإنسان، وتوجّه سلوكه، وترسم ملامح حضارته.

لذلك لم تعرف البشرية أمةً حافظت على بقائها وريادتها إلا بقدر ما حافظت على ثقافتها، وصانت مرجعيتها الفكرية، وأحسنت نقلها من جيل إلى جيل.

ولم يكن الصراع بين الأمم في يوم من الأيام صراعًا على الأرض والثروات وحدها، بل كان ــ في جوهره ــ صراعًا على العقل والهوية والثقافة.

 فحين ينجح الخصم في إعادة تشكيل وعي الأمة، يصبح تغيير واقعها أيسر من احتلال أرضها.

ولهذا كانت الثقافة، عبر التاريخ، الهدف الأول لكل مشروع استعماري أو هيمنة فكرية.

لقد عانت الأمة الإسلامية، على امتداد تاريخها الحديث، من محاولات متكررة استهدفت ثقافتها وهويتها الحضارية.

 فمع دخول الاستعمار إلى كثير من البلدان الإسلامية، لم يكن المقصود بسط النفوذ السياسي والعسكري فحسب، وإنما كان المقصود أيضًا إعادة تشكيل الإنسان المسلم، وتغيير منظومته الفكرية والقيمية، وفصل الأجيال عن مصادرها الحضارية.

ومن هنا بدأت مرحلة طويلة من المعاناة الثقافية؛ إذ امتد التأثير إلى المدرسة ومناهجها، والجامعة ورسالتها العلمية، والأسرة ودورها التربوي، والمسجد بوصفه منارةً للعلم والهداية، حتى غدت كثير من المؤسسات التي كان يُنتظر منها أن تحافظ على الهوية، تعيش تحديًا مستمرًا في أداء رسالتها، وسط سيل من المفاهيم والمصطلحات الوافدة التي أُعيد تقديمها في كثير من الأحيان بمعزل عن الخصوصية الحضارية للأمة.

ثم جاءت الثورة الرقمية، لتفتح صفحة جديدة من التاريخ الإنساني، وتنقل العالم من عصر الثقافة الورقية إلى عصر الثقافة الرقمية؛ فظهرت فرص هائلة للتعلم والتواصل، لكنها حملت معها تحديات أكثر تعقيدًا، وأشد تأثيرًا في تشكيل العقول والاتجاهات.

ولم يعد السؤال المطروح: كيف نحصل على المعرفة؟ بل أصبح: كيف نحسن التعامل معها؟

 وكيف نحافظ على هويتنا ونحن نعيش في فضاء رقمي مفتوح لا يعرف الحدود؟

أولًا: الثقافة... أساس بناء الإنسان ونهضة المجتمع الثقافة ليست زينةً فكرية، ولا ترفًا معرفيًا، وإنما هي القوة التي تصوغ شخصية الإنسان، وتحدد علاقته بربه، وبذاته، وبمجتمعه، وبالعالم من حوله.

ولهذا كانت الحضارات تُقاس بما تنتجه من فكر وقيم قبل أن تُقاس بما تشيده من عمران.

وقد جعل الإسلام العلم والثقافة أساسًا للعمران البشري، فكانت أول كلمة نزل بها الوحي هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:(1 ) كما رفع مكانة أهل العلم، فقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9) وتؤكد هذه النصوص أن النهضة تبدأ من بناء العقل، وأن إصلاح الإنسان يسبق إصلاح العمران، وأن الثقافة الواعية هي الحصن الأول الذي يحمي المجتمعات من الذوبان والتبعية.

ثانيًا: الثقافة الورقية في مواجهة الاستعمار الفكري أدرك الاستعمار منذ وقت مبكر أن الأمة التي تحفظ لغتها، وتصون ثقافتها، وتحافظ على مؤسساتها التربوية، يصعب إخضاعها طويلًا؛ لذلك لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل عمل على السيطرة على المناهج، وإعادة صياغة الوعي، وتشويه التاريخ، وإضعاف اللغة العربية، وإقصاء كثير من العلوم الشرعية والإنسانية، وإحلال نماذج فكرية مستوردة محل المرجعيات الأصيلة.

ولم يكن هذا الصراع موجهًا إلى الكتاب الورقي بوصفه وعاءً للمعرفة، وإنما إلى ما يحمله من هوية ورسالة وقيم.

 ولذلك تعرضت المفاهيم والمصطلحات إلى عمليات إعادة تعريف وتفسير، حتى تغيرت دلالات بعض القيم في الوعي العام، وأصبحت بعض المجتمعات تستهلك المعرفة أكثر مما تنتجها.

وقد نبّه القرآن الكريم إلى ضرورة المحافظة على الهوية الفكرية، فقال تعالى:﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120 ) ولا يُفهم من هذه الآية رفض الانفتاح الحضاري أو التعاون الإنساني، وإنما تؤكد ضرورة التمييز بين الإفادة من خبرات الآخرين، وبين الذوبان في ثقافاتهم أو التخلي عن الثوابت والقيم.

 ثالثًا: الثقافة الرقمية... فرصة تاريخية وتحدٍ حضاري أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جذريًا في إنتاج المعرفة وتداولها، فلم تعد المعلومة حبيسة المكتبات أو قاعات الدرس، بل أصبحت متاحة في كل زمان ومكان، وأسهمت التقنيات الحديثة في توسيع فرص التعلم الذاتي، والتواصل العلمي، والتعليم المفتوح، والبحث المشترك ولا يتعارض هذا التحول مع الرؤية الإسلامية؛ فالإسلام دين يحث على عمارة الأرض، وتسخير الوسائل النافعة لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61 ) ومن ثم فإن التكنولوجيا ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما تتحدد قيمتها بالغاية التي تُستخدم من أجلها، وبالمنهج الذي يحكم توظيفها.

رابعًا: أبرز تحديات الثقافة الرقمية رغم الفرص الكبيرة التي أتاحتها البيئة الرقمية، فإنها فرضت تحديات تربوية وثقافية وفكرية متزايدة، من أبرزها: Δ ـــ أزمة الهوية الثقافية: إذ أصبحت المنصات الرقمية قادرة على إعادة تشكيل القيم والاتجاهات وأنماط التفكير، مما أدى لدى بعض الشباب إلى ضعف الانتماء، والانبهار غير الواعي بالثقافات الوافدة.

Δ ـــ الانفجار المعلوماتي: فلم يعد التحدي في الحصول على المعلومة، بل في التحقق من صحتها، وتمييز الصحيح من الزائف، والنافع من المضلل.

 قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6) Δ ــ تراجع القراءة العميقة: فقد أدت سرعة المحتوى الرقمي إلى إضعاف الصبر على القراءة المتأنية، وانخفاض القدرة على التحليل والتأمل والنقد Δ ــ الإدمان الرقمي: وهو من أخطر الظواهر المعاصرة، لما يترتب عليه من العزلة الاجتماعية، وتشتت الانتباه، وضعف العلاقات الأسرية، واستنزاف الوقت والطاقة.

 Δ ــ الغزو الفكري الإلكتروني: فإذا كان الغزو الثقافي في الماضي يعتمد على الكتاب والمجلة والصحيفة، فإنه اليوم يستثمر الخوارزميات، ومنصات التواصل، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى، في تشكيل الرأي العام والتأثير في القناعات والسلوك، ولعل أخطر ما في هذا التحول أن المتلقي أصبح يظن أنه يختار ما يشاهده، بينما تُوجِّه الخوارزميات كثيرًا من خياراته، وتعيد تشكيل اهتماماته بصورة تدريجية قد لا يشعر بها.

خامسًا: المسؤولية التربوية في العصر الرقمي إن مواجهة هذه التحديات لا تكون برفض التكنولوجيا، ولا بإعلان القطيعة مع العصر، وإنما ببناء مشروع تربوي متوازن، يجعل التقنية خادمة للإنسان، لا متحكمة فيه.

ويتحقق ذلك من خلال : ــ ترسيخ التربية الإيمانية والأخلاقية ـــ تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل والاستدلال ـــ تعزيز المواطنة الرقمية، وأخلاقيات استخدام التقنية ـ إحياء ثقافة القراءة العميقة، والبحث العلمي الرصين ــ تطوير المؤسسات التعليمية لتواكب التحول الرقمي ــ تمكين المتعلم من إنتاج المعرفة، لا مجرد استهلاكها ــ تدريب الناشئة على التحقق من المعلومات، وحماية الخصوصية، وإدارة الوقت الرقمي بكفاءة ويؤكد القرآن الكريم مبدأ المسؤولية الفردية في التعامل مع المعرفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36) فالإنسان مسؤول عما يقرأ، وعما يسمع، وعما ينشر، وعما يؤثر به في الآخرين، وتتضاعف هذه المسؤولية في العصر الرقمي الذي تنتقل فيه الكلمة إلى ملايين البشر في لحظات معدودة.

 Δ ـــ خلاصة القول : إن الانتقال من معاناة الثقافة الورقية إلى تحديات الثقافة الرقمية ليس مجرد انتقال من وسيلة إلى أخرى، بل هو انتقال من مرحلة تاريخية إلى مرحلة حضارية جديدة، تغيرت فيها أدوات التأثير، وتسارعت فيها صناعة الوعي، وأصبحت معركة الأفكار أشد أثرًا من معركة السلاح.

ومن هنا، فإن الرسالة التربوية اليوم لم تعد تقتصر على تعليم القراءة والكتابة، بل أصبحت تتمثل في بناء الإنسان الواعي، القادر على التمييز، والنقد، والإبداع، والمحافظة على هويته، وهو يتفاعل بثقة مع العالم الرقمي.

إن الأمة التي تجمع بين أصالة قيمها، وحداثة أدواتها، وعمق ثقافتها، ورشادة انفتاحها، هي الأمة الأقدر على صناعة مستقبلها، والإسهام في الحضارة الإنسانية، دون أن تفقد شخصيتها أو تتخلى عن مرجعيتها : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11) قال تعالى«فالتغيير الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من التربية، والتربية لا تؤتي ثمارها إلا إذا استندت إلى ثقافة واعية، تجمع بين الإيمان والعلم، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الحكمة في الثوابت والمرونة في الوسائل، لتصنع أجيالًا قادرة على مواجهة تحديات العصر، وصناعة مستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا وازدهارًا.

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي